لعيون المستوطنين.. هدم بيت راجح مرتين!

31.05.2016

هنادي قواسمي

راجح هوارين يقف أمام ركام منزله بعد هدمه في 18 أيار 2016. المصدر: سلوانك.نت

راجح هوارين يقف أمام ركام منزله بعد هدمه في 18 أيار 2016. المصدر: سلوانك.نت

في إحدى الأيام الحارّة من صيف العام 2001، اتصل راسم بصديقه راجح وسأله: “كيف أعصابك يا راجح؟”، ظنّ الأخيرُ حينها أن مكروهًا حدث لزوجته أو أحد أبنائه وبناته. نفى راسم ذلك وبدأ يمهد له الخبر الذي مفاده أن قوات الاحتلال قد هدمت منزله الجديد في تل الفول في بيت حنينا، بدون سابق إنذار.

الحجة كالعادة موجودة، وهذه المرة تتعلق بأمن المستوطنين في مستوطنة “بسجات زئيف” المقابلة،  إذ أن البيت مشرفٌ على بيوتهم، كما تدعي بلدية الاحتلال. كان البيت حديثَ البناء وفي طور اللمسات الأخيرة قبل أن تنتقل العائلة لتسكن فيه. انتهى الحلم قبل أن يكتمل.

لكن راجح قرر حينها عدم الاستسلام والتّحدي، يقول: “كنت لسة شاب في الثلاثينات، وعندي مجال أفكر وأخطط وأتحدى، فاشتريت قطعة أرض أخرى في شعفاط، وبدأت فورًا بالبناء فوقها”. يستذكر راجح تفاصيل ذلك الصّيف: “خلال خمسين يومًا فقط انتهيت من بناء البيت الثاني”، يخبرنا بأنه كان مصرًا على الاستمرار في الحياة والتّحدي مهما أتعبه ذلك.

انتقل راجح وزوجته نادية وعائلته المكوّنه من 4 أولاد وابنتين إلى بيت الأحلام، إلى حيث ينشدون بناء المستقبل والاستقرار. في المرة الأولى، هُدِم بيتُهم قبل أن يسكنوه، لكن هذه المرة، نجحوا في اقتناص ذكريات تكفي لمدة 15 عامًا قبل أن يُهدم بيتُهم الثّاني في العام 2016.

مع ساعات الفجر المبكر من يوم الثامن عشر من أيار 2016، داهمت قوات الاحتلال الإسرائيلي وجرافاته شعفاط (شمالي القدس) متجهةً صوب بيت راجح هوارين (52 عامًا). يعمل راجح كضابط إسعاف وكان حينها في دوامه. وصله الخبر وسارع إلى ما كان يشير إليه مسبقًا بـ”البيت” ليشهد انهيار حلمه للمرة الثّانية.المستوطنون مرة أخرى. هذه المرة ينهار حلم عائلة هوارين كي لا تقف عائلة المستوطن في أزمة سير.

الركام الأخير من بيت راجح هوارين قبل تسويته وتحويله إلى شارع. عدسة: هنادي قواسمي

الركام الأخير من بيت راجح هوارين قبل تسويته وتحويله إلى شارع. عدسة: هنادي قواسمي

هُدِمَ بيتُ راجح كما هُدِمَ قبله بحوالي 4 شهور بيت عائلة الرشق الواقع في نفس الحي حتى تُفْسَح الطريق لشارع سريع سيصل بين مستوطنة “بسجات زئيف” في الشّرق وبين مستوطنة “رامات شلومو” في الغرب، كما أنه سيصل بين شارع رقم 1 في القدس مع شارع “بيجن”، مما يسهل حركة المستوطنين من جنوب القدس إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها. وبذلك يخترق هذا الشارع المسمى شارع 21 ما تبقى من أراضي شعفاط، محوّلاً البيئة شبه القروية المتبقية في شعفاط إلى بيئة حضرية يخترقها شارع سريع، وبطبيعة الحال على حساب أحلام ومستقبل الفلسطينيين وتخطيط أحيائهم.

يصف راجح بيته بلهفة وحماسة بالغة، ينظر إلى زوجته نادية، ويخبرنا بسنوات التّعب والجهد التي مرّ بها برفقتها، وكيف وضع كلّ منهما من تعبه وعمله لبناء كلّ لبنة من هذا البيت وتجهيزه، وتوفير مقومات الحياة للأطفال حتى أصبح كبارهم على أعتاب الزواج.

كانت مساحة بيت صالح 150 مترًا مربعاً، وكان متواضع البناء، فقد أراد أن ينهي بناءه سريعًا حتى لا يأكله الإحباط بعد هدم بيته الأول. إلا أنه اهتم كثيرًا بالحديقة حول البيت، ولأنه من الخليل وقد تربى وسط عرائش العنب، فقد حرص على زراعة عريشة عنب في حديقته، يذكرها لنا كثيرًا، ويخبرنا بالنخلتين اللتين كانتا تستقبلان الزائر الداخل إلى بيته، عدا عن شجرتي الأزكادنيا على طرفي مدخل البيت.

من بيت راجح الذي استأجره في عناتا بعد هدم بيته الأصلي، رافقنا إلى موقع الهدم هو وابنه خالد. بقية الأبناء كانوا في أشغالهم، أما أصغرهم مجد (10 سنوات)، فيحرص والده على عدم اصطحابه إلى الحارة والذكريات القديمة حتى لا تتأثر نفسيته ويتعكر مزاجه. “مجد أكثر واحد تأثر، أكثر واحد بكى، كان يتطلع على سقف غرفته الجديدة ويقول مش هذه غرفتي اللي بدي اياها”.

في موقع البيت المهدوم، لم نر عند زيارتنا إلا شجرة أزكادنيا واحدة لم تطلها بعد آلة الهدم. يستذكر ابنه خالد يوم أن قاموا بزراعة هذه الشّجرة بالذات، ويقول أنه شارك بذلك. بعد أيام قليلة ستختفي الشجرةُ كما اختفى البيت، وسيُمدُّ محلّها الأسفلت، ولو أمكن لفرش السّجاد الأحمر لمرور المستوطنين على حساب بيوت وأحلام الفلسطينيين.

شجرة الازكادنيا ما زالت تنتظر الهدم. عدسة: هنادي قواسمي

شجرة الازكادنيا ما زالت تنتظر الهدم. عدسة: هنادي قواسمي

لدى سؤال راجح عن المستقبل وهل هناك بيت ثالث، يصارحنا بأن لا يريد أن يتفاءل كثيرًا فالتخطيط والعمل في سن الخمسين ليس كمثله في سن الثّلاثين. يُعدِّدُ راجح قائمة الأولويات الأخرى التي تبرز له عند التّفكير في المستقبل أو مجرد السّؤال عن جدوى بناء بيت ثالث، فتبدو الأولويات كثيرة ومتزاحمة: تزويج الابن الأكبر، تزويج الابن الثاني، تدريس من تبقى، دفع أجار البيت، وغيرها.

فجأة تلمعُ عيناه بطيب ذكر قصة الشّهيد وليد الشّيخ، وهو عامل بناء من قرية قطنة غربي القدس، ساعده في بناء بيته الثّاني، وكان مصرًا معه على إتمام البناء بأسرعِ وقتٍ ممكن تحديًا للاحتلال.  ما إن انتهى الشّيخ من بناء البيت حتى استشهد في مواجهات عند مخيم قلنديا. يقول راجح إن الشّهيد الشّيخ كان يشجعه على الاستمرار، ويلقي بالمصاعب خلف ظهره ويحمل الهمة العالية والإصرار.

الواقع صعب، من المؤلم أن تعتاد بيتًا لمدة 15 عامًا ومن ثمّ تجدُ نفسك مضطرًا لاختيار بيت آخر لا تحبه ولم تضع فيه عرق جبينك، وأن تتحول من مالك إلى مستأجر بدفعة جرافة، ومن المتعب تحويل سنُ الاستقرار في الخمسين إلى سن الكدّ والشّقاء مرة أخرى. 

يدرك راجح ذلك، ويخفض في كثير من مخططاته من سقف توقعاته. لكن هذا لا يعني أن الاحباط قد لبسه أو سيطر عليه. ماذا يهم في نهاية الأمر، ألسنا ما زلنا هنا؟ تفلت منه ابتسامة عفويّة تصاحبها كلمات تؤكد التمسك بالأرض والبقاء عليها، ويرفقها بأمل أن تعود ثقافة التّكافل لتسود المجتمع الفلسطيني كما ظهرت في ذروتها في سنوات الانتفاضة الأولى.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

1022 Views