“يوم القدس”.. صراع مستمر على هوية المدينة

8 حزيران 2016

إعداد: هنادي قواسمي

ما هو “يوم القدس”؟

في ذكرى اليوم الذي انتكس فيه العرب والفلسطينيون وخسروا ما تبقى من أراضيهم أمام تمدد دولة الاحتلال، في الخامس من حزيران، يوم الأحد الماضي، احتفلت دولة الاحتلال ومستوطنوها بما يُسمّى “يوم القدس”، أو في تعابير أخرى، “يوم توحيد القدس”، أو “يوم تحرير القدس”.

وكلمة “التحرير” تبدو واضحة القصد هنا، فأهل البلاد هم “المحتلون”، والمحتلون هم “المحررون” في نظرهم. أما كلمة “التوحيد”، فيقصد بها أنه بعد نكسة 67 تم “توحيد” شطري مدينة القدس الغربيّ (الذي احتل مسبقًا عام 48) مع الشّرقيّ، وبذلك أصبحت القدس “عاصمة موحدة للشعب اليهودي”، على حدّ اعتبارهم.

الاحتفال الأول لـ"يوم القدس"، في العام 1968، أقيم على شكل احتفال بالقرب من حائط البراق

الاحتفال الأول لـ”يوم القدس”، في العام 1968، أقيم على شكل احتفال بالقرب من حائط البراق

حُدد يوم الاحتفال الاسرائيلي باحتلال شرقي القدس حسب التقويم العبري، وذلك في اليوم الثامن والعشرين من الشّهر الثامن للسنة العبرية، وبالتالي يحتفل فيه كلّ عام وفقًا للتقويم العبري، ولهذا نجد أنه يقع في أيام ميلادية مختلفة. (في العام 2014 وقع الاحتفال في 28 أيار، بينما في العام 2015 كان الاحتفال في 17 أيار، وسيكون في العام القادم 2016 في 24 أيار).

كان أول من حدد هذا اليوم مجلس الحاخامية الكبرى في العام 1968، وأعلنته يومًا “لشكر الله” على “تحرير القدس” وعلى النصر الذي حققه اليهود في الحرب، ودعت الحكومة إلى تعطيل مؤسساتها بعد الظهر للسماح للموظفين بالالتحاق بالكنس للصلاة والاحتفال.

بعد ذلك بأشهر، في 12 أيار من العام 1968، انضمت حكومة الاحتلال وأعلنت الثامن والعشرين من الشهر العبري الثامن “عيدًا” للقدس، “يمثل العلاقة التاريخية التي تربط اليهود بالمدينة”، على حدّ تعبيرهم. وفي 23 آذار من العام 1998 سنّ “الكنيست” الإسرائيلي قانونًا باسم  “يوم القدس”، حدد فيه هذا اليوم كيوم “عيد وطنيّ”، دون أن يكون عطلة رسمية.

ماذا يحصل في هذا اليوم؟

تشمل الاحتفالات الإسرائيلية بهذا اليوم احتفالات رسمية أبرزها ما ينظم في موقع “تلة الذخيرة” مقابل الشيخ جراح والتي شهدت معارك ضارية عام 1967، بمشاركة أعضاء من حكومة الاحتلال ورئيس دولة الاحتلال. أما الاحتفال الشعبي الأبرز فهو ما يسمى “مسيرة الرقص بالأعلام” السنوية والتي يشارك فيها أبناء التّيار الصهيوني المتدين بالأخص.

تسير هذه المسيرة الاحتفالية في مسارين، الأول للمستوطنات البنات، يدخل إلى البلدة القديمة من باب الخليل باتجاه ساحة البراق. أما الثّاني فهو مسار للمستوطنين الشباب، وتسير من غربي القدس مرورًا بشارع يافا ومن ثم باب الجديد، وتدخل البلدة القديمة من باب العامود، حتى تصل إلى ساحة البراق من طريق شارع الواد.

 مسيرة الأعلام أمام باب العامود، 5 حزيران 2016. عدسة: حنان جمال

مسيرة الأعلام أمام باب العامود، 5 حزيران 2016. عدسة: حنان جمال

وعادة ما تحمل هذه المسيرات وبالأخص مسيرة المستوطنين الشباب التّي تمرّ من باب العامود الكثير من الهمّ للمقدسيين. بداية الهمّ هو الوجع من مشاهد الانتصار والنشوة والفرح التي يتعمد المستوطنون إظهارها في المسيرة، وإطلاقهم الهتافات الاحتفالية، وبعضها هتافات تسبّ العرب والمسلمين، ورقصهم بالأعلام الإسرائيلية الضّخمة في مقابل الفلسطينيين الذين يحاولون تنظيم أي مظاهرة مناهضة، يكون في الغالب مصيرها القمع. وتمتنع شرطة الاحتلال كلّ عام عن الافصاح عن أعداد المشاركين في هذه المسيرة، إلا أن أعدادهم تقدر بعشرات الآلاف.

حواجز شرطة الاحتلال في أزقة البلدة القديمة تعيق حركة الفلسطينيين باتجاه الشوارع التي تسير فيها مسيرة الاعلام. عدسة: رامي الخطيب

حواجز شرطة الاحتلال في أزقة البلدة القديمة تعيق حركة الفلسطينيين باتجاه الشوارع التي تسير فيها مسيرة الاعلام. عدسة: رامي الخطيب

عدا عن ذلك تتخلل المسيرة الكثير من الاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وإعاقة حركتهم داخل البلدة القديمة ومنها وإليها، وعادة ما تجبر شرطة الاحتلال تجار البلدة القديمة على إغلاق محلاتهم. وقد قام التجار هذا العام بتغطية أقفال المحلات بالنايلون لتفادي تخريبها من المستوطنين كما حصل العام الماضي، إذ أدخلوا أعواد الكبريت فيها، مما اضطر كثيرين من التجار إلى الاستعانة بحدادين لفتح محلاتهم ومن ثم تجديد الأقفال.

غطى التجار أقفال محلاتهم حتى لا يتلفها المستوطنون كما جرى العام الماضي. عدسة: رامي الخطيب

غطى التجار أقفال محلاتهم حتى لا يتلفها المستوطنون كما جرى العام الماضي. عدسة: رامي الخطيب

عام 2016

وقد مرّت المسيرة هذا العام بهدوء نسبيّ، إذ لم تُسجّل اعتداءات أو اعتقالات ضد الفلسطينيين، وقد كثفت شرطة الاحتلال من عناصرها في محيط المسيرة بشكل ملموس عن السنوات السابقة، وقامت بإخلاء المستوطنين من باب العامود قبل السابعة والنصف مساءً وذلك لتفادي أية احتكاكات مع الفلسطينيين، خاصة أن المسيرة صادفت الليلة الأولى من ليالي رمضان. وكان ذلك بعد قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية في صباح نفس اليوم أوصى بأن تكون المسيرة قد وصلت ساحة البراق وأخلي المستوطنون من شارع الواد حتى السابعة والنصف.

خلال مسيرة الرقص بالأعلام. عدسةك حنان جمال

خلال مسيرة الرقص بالأعلام. عدسةك حنان جمال

على الجهة المقابلة لباب العامود، في بداية شارع نابلس وقف بعض الفلسطينيين رافعين الأعلام الفلسطينية في محاولة متواضعة للوقوف في وجه هذه المسيرة الاستيطانية. كانت الأعداد قليلة، كما يقول أحدهم “نص شباب البلد محبسيّن”، وكانت تحيط بهم عناصر شرطة الاحتلال وخيالتها. 

ويكتسب الاحتفال بـ”يوم القدس” الإسرائيلي هذا العام أهمية إضافية لدى دولة الاحتلال، إذ أنه يؤذن ببداية العام الخمسين لاحتلال شرقي المدينة. وتستعد دولة الاحتلال من اليوم لسلسلة طويلة ومتنوعة من الاحتفالات ستنظمها العام القادم 2017 بمناسبة حلول 50 عامًا على احتلالها القدس، وقد شكلت لأجل ذلك فريقًا تحضيريًا خاصًّا.

يذكر أن بلدية الاحتلال ضاعفت هذا العام مشاركتها في ميزانية هذه المسيرة 3 أضعاف، وارتفعت مساهمتها من 100 ألف شيكل إلى 300 ألف شيكل.

وقد أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في اجتماع عقد مع رئيس بلدية الاحتلال نير بركات في الثاني من حزيران الجاري، عن رصد 850 مليون شيكل بهدف “تطوير القدس” تصرف على مدى 5 سنوات. ستأتي 800 مليون من هذه الأموال من ميزانية الحكومة، بينما تأتي الـ 50 مليون الأخرى من بلدية الاحتلال. وستصرف هذه الميزانية 137 مليون شيكل لقطاع السياحة، و160 مليون في قطاع الصناعة، و77 مليون في قطاع التعليم الجامعي، وغيرها. 

وقد سبق أن أعلن وزير التّربية والتعليم الإسرائيلي نفتالي بانيت في شباط الماضي أن العام الدراسي 2016\2017 سيكون “عام القدس الموحدة”، وسيتم خلاله التركيز في مختلف المواد التعليمية على مدينة القدس، بالإضافة إلى تنظيم رحلات مدرسية مكثفة إلى القدس والبراق.

مسيرة الأعلام أمام باب العامود، 5 حزيران 2016. عدسة: حنان جمال

مسيرة الأعلام أمام باب العامود، 5 حزيران 2016. عدسة: حنان جمال

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

662 Views