شهادة من قرية عين كارم المهجرة: سرقوا ذكرياتنا

20 آب 2016

IMG_0418

أحد بيوت عين كارم الفلسطينية يسكنها اليوم مستوطنون

يتباهى الحاج عبد الخالق شبيب (86 عامًا) من قرية عين كارم المهجرة في القدس بأنه يعرف تاريخ ميلاده على وجه الدقة. ففي حين لم يكن الاهتمام بتسجيل تواريخ الميلاد شائعًا في ذلك الحين، حرص والده على كتابة تواريخ ميلاد أبنائه بخطّ يده وحسب التقويمين الهجري والميلادي.

يقول  شبيب: “لا أقول لك وُلِدتُ في أوائل الثلاثينات، ولا أضع أمامك احتمالات لتاريخ ميلادي، بل أقول ولدتُ بالضبط في 25 آذار 1930”. درس شبيب في مدرسة القرية حتى الصّف السابع وكان من الأوائل، إذ لم يكن ينزل عن الترتيب الرابع على صفه. ولكن والده اضطر لإخراجه من المدرسة لمساعدته في تحصيل الرزق خاصّة أن العائلة كبيرة والظروف صعبة.

الصمود بأقل الموجود .. ومن ثمّ التهجير

هُجِّر شبيب من قريته عين كارم، غربي جنوب القدس في العام 1948 وهو يبلغ 18 عامًا، وما زال رغم تقدمه في العمر يتمتع بصحة جيدة وذاكرة قادرة على استعادة تفاصيل تلك الأيام الصعبة. وعندما تتيح له الفرصة يصحب بعض شباب القرية إليها  لتعريفهم على معالمها وتاريخها.

يستذكر شبيب المحاولات المتواضعة من شبان القرية للدفاع عنها في وجه الهجمات الصهيونية صيف العام 1948، ففي حين لجأت العائلات بقي عدد من الشباب في القرية ممن يحملون السّلاح يدافعون عنها بما توفر. يروي لنا شبيب حكاية السّلاح السيء والقديم الذي وصلهم آنذاك. يقول: “أخذت بارودة مما أرسل لنا، وأظن أنه كان من مخلفات الحرب العالمية الثانية، كانت “الفشكة” (الرصاصة) تعلق داخل بيت النار، حاولت تصليحها عند أحد الخبراء بذلك ولم تجدِ نفعًا”.

كما يروي شبيب عن مشاركته في معركة القسطل مع القائد عبد القادر الحسيني، إذ تشارك في تلك المعركة مع مقاتل آخر قطعة سلاح واحدة من نوع “برن”، واستطاع حسب قوله تخليص أحد أفراد العصابات الصهيونية من قطعة سلاح كلاشينكوف. وعندما سألناه عن قدراته في ذلك السّن لحمل السّلاح وهو ليس من ذوي الخبرة، فقال: “أنت لا تعرفينني في “النيشان”، أنا بقطع الوردة بالفشكة”، ويقصد بذلك أنه جيّد التصويب، ويعرف إصابة هدفه بدقة.

يتحسر شبيب على تلك الأيام، ويصف كغيره من أبناء جيله حالة التشتت العربي، ورداءة التسلح، وضعف أداء القيادة العربية كأسباب لضياع فلسطين.

زيارة عين كارم للمرة الأولى بعد التهجير

لجأ شبيب وعائلته بعد النكبة إلى مدينة السّلط الأردنية، ومن ثمّ عاد للسكن في مدينة أريحا الفلسطينية في العام 1950، والتي كانت حينها تحت الحكم الأردني. في العام 1967 عندما استكملت دولة الاحتلال الإسرائيلي احتلال بقية فلسطين، أصبح من الممكن زيارة الأراضي المحتلة عام 1948، وحينها كان أول لقاء للحاج عبد الخالق بقريته بعد غياب 19 عامًا. وتعتبر عين كارم من القرى الفلسطينية المهجرة القليلة التي سلمت بيوتها ولم تهدمها العصابات الصّهيونية.

يقول شبيب: “شو بدي اقلك؟ مأساة! كنت زي اللي مرّ على مقبرة وفيها كل أحبابه مدفونين، وقعد يتذكر فيهم.. صابتني غشاوة.. كنت كأني في غيبوية”. ومن ثمّ يذكر شبيب بيت الشعر: “تكاد حين تناجيكم ضمائرنا ….يقضي علينا الأسى لولا تآسينا”.

وفي موسم الزيتون في إحدى السّنوات بعد النكسة، قرر شبيب مرافقة أمه لقريته من أجل جدّ محصولهم من زيتون أرضهم. حدثنا شبيب بفخر عن زيتون عين كارم قائلًا: “كنا نمضي قبل النكبة 25 يومًا في جدّ الزيتون، أهل قريتنا كانوا يقولوا لو أدرنا الزيت من محصول الزيتون في أراضينا لقمنا بسدّ الوادي لكميات الزيت الضخمة”.

مشهد عامّ لبيوت عين كارم وكنائسها

مشهد عامّ لبيوت عين كارم وكنائسها

في ذلك اليوم وعندما كانوا في طريق الخروج من القرية ومعهم محصول الزيتون، أوقفهم موظفو “سلطة الطبيعة” الإسرائيلية، وقاموا بمصادرة محصولهم من الزيتون كاملًا بدعوى أن هذه أراضٍ عامة يمنع القانون التقاط المحاصيل منها بحجة “حماية الطبيعة”. يقول شبيب: “أرضنا ويصادر زيتونها منا، مرضت أمي نتيجة هذا الموقف وأصابها حزن شديد، كانت تقول: أهون عليّ أن أرمي على الأرض زيتوني من أن يأخذوه هم”.

وقد دخل شبيب بيت عائلته القائم حتى الآن في عين كارم لأول مرة في العام 2013، وذلك بعد محاولات سابقة منعه فيها مستوطنو البيت من دخوله. يقول شبيب بأنه تفقد غرف البيت حينها وانهالت في رأسه الذكريات، ومن ثم يتحدث بألم: “أحيانا يصيبني الأرق في الليل، أتذكر ما يقال عن “تعويض اللاجئين”، كيف يعوضوننا عن ذلك؟ سرقوا ذكرياتنا، سرقوا تاريخنا، في كلّ شجرة، كل حجر، كل زقاق، لنا ذكريات، هل هذا قابل للتعويض؟!”.

عن عين كارم

ذُكِرت عين كارم في العهد القديم والعهد الجديد ما يقارب 6 مرات. يصفها شبيب بأنها “أخت الناصرة”، ويعدد أسماء الكنائس والأديرة فيها والتي تبلغ ثمانية. بحسب الاعتقاد المسيحيّ، فقد عاش النبي زكريا وزوجته اليصابات في القرية، وفيها ولد ابنهما النبي يحيى عليه السّلام الملقب بـ”يوحنا المعمدان”.

وتروي القصة المسيحية أن السيدة مريم العذراء عليها السّلام قامت بزيارة خالتها اليصابات في عين كارم قادمة من الناصرة. وفي المكان كنيسة تخلّد هذه الزيارة اسمها “كنيسة زيارة مريم العذراء”. وإضافة إلى ذلك، يوجد فيها جامع عمر بن الخطاب، الذي بني فوق عين ماء مريم العذراء، ولكن سلطات الاحتلال أغلقته منذ احتلال القرية عام 1948.

IMG_0443

جامع عمر بن الخطاب في عين كارم – مغلق منذ النكبة

مدخل كنيسة زيارة مريم العذراء في عين كارم

مدخل كنيسة زيارة مريم العذراء في عين كارم

وقد اشتهرت عين كارم قبل النكبة بجوّها الجبليّ الجميل وهوائها النقي، كما اشتهرت بمقاهيها، فقد كان فيها 3 مقاهٍ: مقهى منون، زعتر، والعرب. يروى شبيب، أن المقاهي كانت تخدم السّياح الذين كانوا يزورون كنائس عين كارم، بالإضافة إلى بعض عائلات القدس الذي كانوا يأتون أيام العطل لشرب القهوة والأرجيلة. وكان فيها صيدلية وعيادة طبيب، وكان لها خطّ نشيط من الحافلات، ينطلق كلّ ساعة إلى مركز مدينة القدس.

وتعدّ عين كارم من كبرى قرى قضاء القدس، سواء من حيث المساحة أو عدد السكان، ففي العام 1948 قدّر عدد سكانها بما يفوق 3600 نسمة، ومساحة أراضيها أكثر من 15 ألف دونم. واليوم يبلغ عدد مهجري عين كارم ما يقارب 25 ألف فلسطيني، معظمهم يعيش في الأردن.

يرى المتجول اليوم في مكان تلك الذكريات المسروقة من شبيب وأقرانه وعائلته، أعلامًا إسرائيلية في واجهة بعض البيوت المحتلة، بيوتًا ودكاكين حوّلت إلى مطاعم ومقاهي ومحلات تجارية تستقطب المصطافين والمتنزهين الإسرائيليين. في إحدى تلك المقاهي الإسرائيلية، تعمل إسرائيلية هاجرت من أمريكا مؤخرًا للاستيطان في فلسطين، بالكادّ تجيد اللغة العبرية، ووراءها ملصق يقول:”اصنعوا القهوة.. لا الحرب”. بعد كلّ تلك الدماء وسرقة الذكريات، لا يمكن للقهوة أن تحل محلّ “الحرب”.

شاهد بالفيديو معلومات عامة عن عين كارم. تصوير ومونتاج: أحمد صندوقة وسارة دجاني.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

1301 Views