كابوس “إثبات السكن” في القدس

28 أيلول 2016

نردين شريف

where-to-liveكونك فلسطينيًا فهذا يعني أنك تعيش في ظلّ سياسة احتلال تفرض عليك واقعًا خاصًا لا يمكّنك من العيش كما تريد أنت، هي سياسة تتدخل حتى في قراراتك الشخصية، أين تسكن، ومن تتزوج، وأين تعمل. وكأن مستقبلك يرتسم أساسًا بتأثير هذه السياسة الاحتلالية. هي ليست مبالغة وإنما حقيقة نعيشها وأصبحت روتين حياتنا التي نعتقد بأنها طبيعية. فأن تختار لحياتك ما تريد ما هي إلا مرحلة طبيعية في بلاد أخرى، ولكنها تعتبر عندنا رحلة من الصعاب والتحدي.

شاب وشابة من القدس تزوجا حديثًا، همّهما الأساسي إيجاد بيت في منطقة نفوذ بلدية الاحتلال، من أجل إثبات مكان سكنهما أمام وزارة الداخلية، حتى لا يتعرضا لخطر سحب الإقامة، أو وقف مخصصات التأمين عن أي طفل مستقبلي، أو غيرها من الحقوق. في المقابل ترتفع أجارات البيوت في القدس، وتتراوح ما بين 600$ إلى 1000$، وربما أكثر. وهو مبلغ ليس من السّهل على شاب حديث الزواج، مثقل بمسوؤلياته ومصاريفه، أن يدفع مثله.

في ظلّ هذه الظروف، يكون الحلّ لدى الكثير من الأسر الشابة في القدس هو البحث عن بيت مؤقت في مناطق الضفة الغربية إلى حين يرزق الزوجان الشابان بطفل. في تلك الفترة يحرص الزوجان على كتمان مكان سكنهما كي لا يصل الخبر لسلطة الاحتلال وتهدد أي من حقوقهما، إذ أن الإقامة الإسرائيلية التي يحملها الفلسطينيون في القدس مشروطة بإثبات السّكن داخل حدود بلدية القدس أو حدود الأراضي المحتلة عام 1948.

يتغير الحال عندما يرزقون بطفل يريدون تسجيله في الهوية، ويريدون أن يحصلوا على مخصصات أولاد له من مؤسسة التأمين الإسرائيلية. هنا يصبح عليهما أن يبحثا عن سكن ضمن حدود القدس، ذلك لأن مؤسسات الاحتلال ستبدأ بالتفقد عن أمرهم ومكان سكنهم، إذ أن شرط التسجيل في الهوية والحصول على أية مخصصات تأمين هو السكن داخل القدس.

عندها ينتقل الزوجان للعيش في بيت ضمن نفوذ بلدية الاحتلال، وفي حال لم يجدا ما يلائم جيبتهما، يختاران السّكن في الأحياء المقدسية الواقعة خلف الجدار، مثل كفر عقب، وراس خميس، وغيرها، إذ أن إيجار البيوت هناك أقل كلفة. تعاني تلك من المناطق من مشاكل كبيرة، الازدياد في المباني بشكل مبالغ به، فليس هناك من يضع قانونًا يحدّ من البناء أو ينظمه، كما أنه لا توجد رقابة على أسعار الشقق السكنية، التلوث البيئي، لا يوجد قواعد للسير أو للسواقة، يزداد امتلاك الأسلحة و تعاطي المخدرات. لكن لا خيار آخر أمامهما من أجل البقاء في القدس.

وتبدأ من تلك اللحظة رحلة الرقابة والتفتيش التي تمارسها مؤسسات الاحتلال. في ذات صباح يطرق باب البيت في ساعة مبكرة، يستيقظ الزوج ليرى من هناك، فيكون المندوب المرسل من قبل وزارة الداخلية أو مؤسسة التأمين، والذي يأتي ليرى هل هم فعلًا يسكنون في ذلك البيت أم وضعوه مجرد عنوان، ويعيشون في مكان آخر خارج القدس.

في بعض الأحيان يأتي هؤلاء المندوبون بمواعيد محددة مسبقًا، وفي أحيانٍ آخرى يأتون فجأة. لا يهمهم أن يخترقوا خصوصية العائلة، ويتبعون أساليب بحث أشبه بالبحث الجنائي. من ذلك أن يقوم المندوب بفتح باب الثلاجة، أو تفقد كمية الملابس ونوعيتها في الغرف، وهل هي ملابس تلائم الفصل الحالي، بل حتى هل يستخدمون الأجهزة الكهربائية أم لا، ويلتفت لسلة القمامة، وربما لشفرات الحلاقة ليرى هل هي مستخدمة لتدل على حياة فعلية في ذلك البيت، أم لا. في كل قصة تسمعها من عائلة مقدسية تكتشف طريقة جديدة يتبعونها ونوعًا مبتكرًا من المراقبة. بعد أن تنتهي جولة “الفحص الجنائي” هذه، يطرح المندوب بعض الأسئلة ويسجل إجاباتهم ثم يخرج.

حال هذين الزوجين كحال العشرات أو حتى المئات من العائلات المقدسية الأخرى، التي تحلم بحياة مستقرة. لكن ما يحلم به المقدسي يبقى حلمًا لأنه يستيقظ على واقع مغاير لأي حياة طبيعية. فيبقى الزوجان على أعصابهما حتى يتم إحصاؤهما في سجل وزارة الداخلية ومؤسسة التأمين. ولعل وعسى تنتهي حينها “المطاردة”.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

987 Views