المدارس الخاصة في القدس: بين التضليل والتعليم الحقيقي

16 شباط 2017

سارا قراعين

المدارس الخاصةبين مؤيدٍ ومعارض، ومُبارِك وساخط، شهدت إحدى مجموعات موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” قبل فترة منشوراتٍ طرح من خلالها أهالي طلاب المدارس الخاصة في القدس – ساخطين – ما يقلقهم في هذه المدارس بدءاً بالأقساط المرتفعة، مروراً بالمناهج، وانتهاءً بالوظائف المنزلية.

لم تكن التكاليف هي الوقود الوحيد المُحرّك لهذا السخط على المدارس الخاصّة، فإلى جانب المصاريف المدرسية والأقساط والقرطاسية والزيّ والمواصلات، يتذمر الأهالي من المناهج الشديدة أحيانا،ً والسيئة أحياناً أُخرى، والمضللة أحياناً ثالثة، وكثرة الوظائف المدرسية التي تحرم الطفل من وقت الفراغ.

وفيما يتعلق بالوظائف المدرسية، يشكو غالبية الأهالي من أن الوقت الذي يقضيه أبناؤهم في المدارس يذهب هباءً، إذ بمجرد عودة الطالب إلى البيت يجب على أمه أو أبيه تدريسه المادة مجدداً، وكأنه لم يسمع بها من قبل، مما يراكم مهمات الآباء والأمهات، حتى يخيل إليهم أن ابنهم كان يلهو في المدرسة بدون معلمين ومعلمات.

تقول (ش.ز) وهي والدة لطفلين في مدرستين خاصتين مختلفتين: “المستوى في مدرسة ابني جيد، لا أجد صعوبة في تدريسه ولا أندم على تعبي معه لأن اسئلة الامتحانات تحترم عقول الطلاب، أما التعليم في مدرسة ابنتي فاشل”، مشيرة إلى أنها عند مراجعة مادة الامتحان الفصلي لابنتها تجدها لم تسمع بها من قبل، إضافة إلى وصف اسئلة الامتحانات بالسهلة وغير الملائمة لعمرها.

أما (ن.ز) وهي والدة لطفل في مدرسة ثالثة، ترى أن لا مشكلة في تدريس ابنها في البيت، لأن اسلوب المدرسة غير تلقيني ويعتمد على وسائل الإيضاح والأغاني لمساعدة الطالب على الحفظ وربط المعلومات ببعضها، وتختم قولها: “هذا الجيل مفتّح وبيلقط، وبيعتمد على الأهل إذا متابعين ابنهم”.

السيدة (ح.ن) والدة لطالبة في مدرسة أُخرى، تصف التعليم فيها بأنه “على الأهل مش على الطلاب”، وتذكر مثالاً أن المدرسة تطلب من طلابها أبحاثاً علمية مطبوعة بدون تعليمهم استخدام الحاسوب، وهو أمر مثير للسخرية – على حد قولها.

وتضيف: “لا يوجد نظام امتحانات فصلي أو شهري، بل يخصص يوم في الأسبوع لمادة معينة، فالثلاثاء للرياضيات مثلاً، وهكذا..”، وتقول عن ذلك بأنه قد يكون مريحاً لعدم تراكم المادة للدراسة، لكن ينتهي الأمر بأن الطفل لا يمتلك وقت فراغ للقيام بنشاطات أُخرى.

وتوافقها إحدى أولياء الأمور في اجتماع للّجنة بقولها: “بنتي بتدرس في البيت أكثر من المدرسة، المفروض تعملوا اللي عليكم!”

يفسر السيد (س.ص) ذلك بأن هذه المدرسة تتبنى نظام التعليم الأمريكي الذي يعتمد على إعطاء الطالب وظائف بيتية كثيرة، ويعتبر أن متابعة الأطفال في المنزل هو أمر طبيعي. يقول: “مستوى الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية رائع، لكن ذلك يأتي على حساب مواد أُخرى كاللغة العربية مثلاً، ابني تأسس في مدرسة قوية وهو الآن مبدع، لكن ابنتي دخلت هذه المدرسة منذ البداية وهي ضعيفة وتحتاج المتابعة، كما أن الدين الإسلامي اختياري والمنهاج بسيط جداً”.

والأمر لا يختلف بالنسبة للطلاب، فمنهم من لا يجد مشكلة كبيرة في ذلك، كالطالبة رؤى الغول التي تقول: “المنهاج صعب في بعض المواد، والبعض الآخر سهل جداً بالنسبة لصفي، أحياناً تكون الامتحانات صعبة رغم سهولة المادة، والوظائف طويلة لكنها لا تُعطى بصورة يومية”.

أما تيما القواسمي، وهي طالبة في مدرسة أُخرى تصف كثرة الواجبات بالضغط، فتقول: “زي الله واحد لازم ارجع كل يوم مع امتحان وواجبات، لكن مستوى التعليم جيد للمراحل الإعدادية والثانوية”.

أين الرقابة على المناهج؟

في سياق مشابه، يرى العديد من الأهالي أن مادة التاريخ في واحدة من المدارس الخاصة في القدس “لا تفيد على أرض الواقع”، إلى جانب تصوير منهاجها المقاومة على أنها عنف وإرهاب، ومواضيع أُخرى ذات صلة تم الحديث عنها في نطاق واسع. وهنا ترى (ح.ن) أن من الأُمور السيئة في مدرسة ابنتها هو عدم الرقابة على المنهاج، فتقول: “بنتي بتاخد عن التعايش العربي اليهودي وشخصيات يهودية أثرت في المجتمع الاسرائيلي”.

يعتقد أحد الآباء (س.ص) أن السبب في ذلك هو غياب خطة أساسية للمادة، فيقول: “قد يكون السبب أن المدرسة الأمريكية هذه تعطي لكل مدرّس/ـة خطا عاما يتمحور حوله، وليس مادة محددة. فهو يعطي حسب خلفيته، فإن كان يهودياً مثلاً، يكون منهاجه نوعاً ما يميل باتجاه أن اليهود مناشدين للسلام، وهذا غير مقبول!”

وفي مقابلة مع المربي عماد قراعين حول هذه القضية، يعزي السبب إلى تعدد المرجعيات، بقوله: “في القدس لا توجد مرجعية موحدة لجميع الأُطر التعليمية، فكل مدرسة تابعة إدارياً ومالياً لجهة مختلفة، مثل البلدية والحكومة والمدارس الإسلامية ومدارس الراهبات، إضافة إلى المدارس الخاصة، وبالتالي المناهج غير موحدة، وكل مدرسة لها الرؤية والفلسفة الخاصة بها، وأساليبها في تطبيق هذه الرؤية والنشاطات”، ويبيّن أن آثار ذلك تظهر ذلك في طريقة التدريس، والوظائف البيتية، وحتى في العطل الرسمية.

ويضيف: “من الصعب جداً توحيد المرجعيات بسبب الوضع السياسي الحالي في القدس”. أما الحل، فهو تعزيز آليات الرقابة الحكومية على هذه المدارس، حسب رؤية قراعين. ويكمل: “يجب تطوير أداء المعلمين من خلال دورات استكمال وتأهيل، والعمل على إنشاء مدارس حديثة، والأهم من ذلك أن يكون المنهاج الذي سوف يتم صياغته ملائماً للمجتمع ومناسباً لأفكار القرن الواحد والعشرين”. كما يرى أن المنهاج يجب أن يخرج طلاباً مفكرين مبدعين ولا يعتمد على البصم والتلقين، إلى جانب تعزيز مفاهيم الانتماء إلى الأرض، التنوع المجتمعي والتركيز على الأخلاق.

*لم يتم ذكر أسماء المدارس وبعض الأشخاص بشكل صريح، بهدف التركيز على القضية بعيداً عن الأفراد، ولتفادي أي سوء تفاهم قد يحدث بسبب هذه التصريحات.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

1428 Views