الشعب الأرمني .. الخيط الذهبي في نسيج المجتمع المقدسي

15 آذار 2017
أسيل عيد

18cf2c2a-df47-4110-abd1-b2dddd42b64aفي حارات القدس القديمة، تلمس تناغماً محبباً بين سكان المدينة وأبنيتها، ففيها المقامات والأديرة والكنائس والمساجد، وما أن تتزامن أصوات مآذنها مع أجراس كنائسها حتى يضفي ذاك الصوت رونقاً مميزاً لجماليات المكان فتدخل السعادة لقلب الزوار والسياح بشكل عفوي. وفي الجزء الجنوبي لنفس البلدة، لا يمكن إلا وان يقابل الزوار الشعب الأرمني الأصيل، ذاك الشعب الذي برز في مجالات الحرف والصناعة بنمط حديث ومميز ليشكل على مدار قرون طوال جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع المقدسي.

الوجود الأرمني بالقدس

كان القرن الرابع الميلادي هو القرن الذي شهد قدوم الموجة الاولى للشعب الأرمني من سكان القدس، رغم أن أحد ملوك الأرمن العظماء كان قد امتد بإمبراطوريته من دولة أرمينيا شرقي هضبة الأناضول وحتى مدينة عكا شمال فلسطين التاريخية لمدة سبعة سنوات. أما الموجة الثانية فكانت بعد الحرب العالمية الاولى في العام ١٩١٥ إذ لجأ الأرمن لمدينة القدس المشرفة، والتي احتضنتهم كما احتضنوها ليسكنوا على مساحة تعادل سدس المدينة، ويشكلوا بمجموعهم حوالي ثلاثة آلاف نسمة من ثمانية آلاف موزعين في فلسطين التاريخية.

وعن هذا الموضوع، تحدث فريق قدسكم مع المؤرخ الأرمني والأكاديمي في جامعة بيرزيت سابقاً البرت أغازريان، والذي وضح: “من ناحية عرق، الأرمن شعب هندي أوروبي، وفي إحدى لحظات التاريخ أعتبر الأرمن الشعب الغربي في الشرق والشعب الشرقي في الغرب.” وعن تعلق الشعب الأرمني بهويته وضح أغازريان: “الشعب الأرمني متمسك بهويته بشكل كبير وعلى رأسها اللغة، وهناك مقولة دائماً تقال من نساء الأرمن لأبنائهم: ” يا ابني انساني معلش بس ما تنسى لغتك.” وهو ما يدل على تمسك الشعب الأرمني بلغته،” أما المرأة فلها قيمة واحترام خاص يشكل أساس المجتمع بالنسبة للأرمن إذ يرددون: ” الرجل هو الرأس والمرأة هي الرقبة.”

fcb81d5b-77a8-4bc2-b21d-e46322016ee1

طريق بطريكية الأرمن الأرثوذكس

ويتوزع الشعب الأرمني بمدن أخرى في فلسطين التاريخية غير العاصمة منها حيفا ويافا وعكا وبيت لحم والناصرة والتي أسس فيها الطبيب الأرمني كالوست فارتان أول مستشفى بالمنطقة، يقول أغازريان: ” عاش الطبيب كالوست فارتان حوالي أربعين عاماً في الناصرة. وفي كل عام من شهر كانون الأول، يذهب كافة أركان المستشفى لزيارة ضريحه.”

وقد أضاف الأرمن مع قدومهم للقدس بالتحديد حِرفاً وصناعات حديثة، أبرزها أول مطبعة لمدينة القدس والتي كانت تعتبر ثاني مطبعة في فلسطين. وأسسوا أول ورشة تصوير محلية في العام 1850 والتي استمرت بشكل مهني مميز حتى اليوم. وأخيراً هناك فن السيراميك أو الخزف، إذ يعتبر الأرمن أول من أدخل صناعة الخزف إلى فلسطين عامة والقدس خاصة. وتشكل تلك الصناعة مصدر دخل لعدد من العائلات الارمنية في القدس حتى اليوم.

الخزف الأرمني “تراث أرمني فلسطيني”

ويقول صاحب مصنع الخزف الفلسطيني نيشان بليان وهو وريث عائلة بليان في المصنع: إن بدايات الخزف الأرمني بالقدس كانت في العام 1919 بعد أن استحضرت سلطات الانتداب البريطاني ثلاثة صانعين مهرة من مدينة كوتها التركية، من عائلة أوهانسيان وبليان وكركشيان الأرمنية، لترميم بلاط قبة الصخرة المشرفة في القدس، لتنشأ بعدها عائلة بليان وكركشيان في العام 1922 أول مصنع للخزف الفلسطيني، إلا أن تلك الشراكة لم تدم وانفردت عائلة بليان بمصنع الخزف الفلسطيني منذ العام 1964 وحتى اليوم. وأضاف: “لا يوجد هذا النوع من السيراميك في أرمينيا، ويعتبر هذا المصنع من أوائل مؤسسات الخزف في الشرق الأوسط.”

32633fcd-4b56-445f-b17c-3dc6f456e155

مصنع الخزف الفلسطيني

ويفخر الفلسطينيون من أصل أرمني بهذا التراث وبالحفاظ عليه رغم منافسة التجار لهم عن طريق طباعة نفس الرسومات على السيراميك وبنفس الألوان. إلا أن الاختلاف بين المنتجين واضح لمن أراد البحث عن الأصل، يقول بليان : “إن الخزف الذي ننتجه هو منتج يدوياً بينما العديد من المنتجات الاخرى بالسوق الفلسطيني فهي طباعة وليست يدوية، وعادةً ما تباع للسياح.”

الحي الأرمني

ويتضمن الحي الأرمني ديراً للأرمن يسمى بدير مار يعقوب ومكتبة ومتحفاً بنفس الاسم. تأسست المكتبة في العام 1929م وتحتوي على أكبر مجموعات الوثائق الأرمنية القديمة في العالم. أما المتحف فقد تأسس في العام 1978م. كما اُفتتح مستشفى أرمني في نفس الحي في العام 1951م، وجمعية خيرية في العام 1935م وتعمل تلك الجمعية على خدمة أبناء الطائفة كما أُدرج في موقع مركز المعلومات الوطني الفلسطيني وفا.

وتعتبر القدس بالنسبة للأرمن مكاناً مقدساً يكفل للحاجين إليها مكانة اجتماعية مميزة. وقد تناقص عدد الأرمن في القدس القديمة، رغم أنهم كانوا يشكلون السواد الأعظم بين شهر نيسان وآب لعام النكبة، أي أنهم شكلوا الغالبية العظمى من سكان القدس، إذ لم يكن هناك أي مكان ليلجئوا إليه بعد لجوئهم الأول أبان الحرب العالمية الأولى فبقوا في منازلهم، لكن أعدادهم بدأت بالتناقص تدريجياً على موجتين: الأولى إلى أرمينيا الوطن الأم والأخرى في خمسينات القرن الماضي بعد النكبة باتجاه استراليا وأمريكا وكندا طلباً للامان. لتتحول بذلك الهجرة الأرمنية إلى نزيف للخارج وهو ما أكده المؤرخ أغازريان.

ويعتز الفلسطينيون الأرمنيون بهويتهم ووطنهم، ويعتبرون أنفسهم اثنياً أرمنيون وقومياً فلسطينيون. برزوا في المجال السياسي كما برزوا في المجالات الاقتصادية والاجتماعية ويترأس بعضهم مناصباً مختلفة في السلطة الفلسطينية، ليشكلوا بذلك التميز الخيط الذهبي الأجمل في نسيج المجتمع المقدسي.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

606 Views