حي الخلايلة … الحي المقدسي المنسي

6 نيسان 2017

أسيل عيد

المواطن خضر أبو رباح

كان صوته يخفي مزيجاً من الوجع والإصرار حين قال بصخب: “أنا بإمكاني أحمل ولادي واطلع برا الجدار! عشان مين انا صامد هون؟” وأكمل مجيباً بفخر: “إلي واجب وطني .. إلي أرض ودار بدي أحافظ عليهم!” كان خضر أبو رياح ولا زال أحد سكان “حي الخلايلة” الواقع شمال غرب مدينة القدس المحتلة، أو الحي المنسيّ الذي سلخه جدار الضم والتوسع عن قريته الأم ليكون صامداً على عتبات المدينة المقدسة لكن ليس تابع لها بقانون الاحتلال.

سلخ الحي عن القرية الأم

لطالما اعتبر حي الخلايلة الذي أقيم على مساحة مائتي دونماً تقريباً أحد أحياء قرية الجيب، إحدى ضواحي القدس منذ سنين طِوال. كان يفصله عن المدينة المقدسة بضع دقائق ركوباً بالسيارة بأسوأ الأحوال حتى اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 فأغلقت قوات الاحتلال، للمرة الأولى، الطريق الواصلة بين حي الخلايلة وباقي أراضي القرية بالسيارات العسكرية. وبعد ثلاثة أعوام، عُزل الحي بشكل كامل حين بنت حكومة الاحتلال جداراً بارتفاع 5 أمتار تقريباً ليسلخ الحي عن قريته الأم، وساكنيه عن باقي المناطق في الضفة الغربية والقدس . يقول أبو رياح: “اللي أخوه ساكنين بالجيب، ممنوع يجو هون. أنا بروح أزورهم.”

حياة طبيعية عاشها أهالي حي الخلايلة قبل تقطيع أوصال الطرق وسلخهم عن باقي المدن والقرى الفلسطينية. يذهب الأطفال للمدرسة، ويذهب الكبار إلى إعمالهم، يبتاعون ما اشتهت أنفسهم على قدر احتياجاتهم، يزوون أقاربهم، ويدفنون موتاهم في مقبرة الجيب. الآن ، يفتقر الحي لأدنى المرافق والمؤسسات التي تلبي احتياجات السكان الأساسية، بالإضافة إلى نقص في البنية التحتية بدءاً من شح المياه وصولاً إلى قلة عدد حاويات القمامة. يُضطر سكان حي الخلايلة إلى نقل القمامة إلى مكبات خاصة وحرقها مسببين بذلك أضرارا صحية وبيئية. ولكن لا حل آخر لديهم. كما لا توجد مراكز صحية وأطباء ومدارس ومساجد أو حتى مقبرة خاصة. أصبح الحي مهمشاً، عالقاً بين الأراضي التابعة للسلطة الفلسطينية والأراضي المسيطر عليها من قبل سلطة الاحتلال. إذ يفصله عن الأولى حاجز عسكري إسرائيلي يفرض على الأهالي تصريحاً وتنسيقاً خاصاً من قبل الاحتلال الاسرائيلي لإدخال حاجياتهم باختلافها من خضروات وفواكه أو أدوات منزليه وغيرها. أما إذا رغب سكان حي الخلايلة التوجه إلى القدس أو إلى المناطق المحتلة الأخرى، فهم بحاجة إلى تصريح مؤقت بتنسيق خاص مع ذكر ضرورة  سبب الزيارة. فإن لم يوافق الاحتلال يبقى الأهالي حبيسين حيهم المنسي.

تهجير بطرق مبطنة

صورة لحي الخلايلة

ولم تبدأ معاناة الحي منذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بل امتدت جذورها في التاريخ لتصل إلى العام 1980 حين منعت قوات الاحتلال أهالي الحي من البناء كلياً. فلم تمنح سلطات الاحتلال تراخيص بناء للفلسطينيين فيما تمكن المستوطنون من توسيع مستوطناتهم الأربعة المحيطة بالحي المسماة بمستوطنات عزيف، جفعون وجفعون حدشا، والنبي صموئيل. وفي العام 2011، بدأ الاحتلال بـهدم منازل في حي الخلايلة بحجة البناء دون ترخيص. فتوسع المستوطنون مرة أخرى على حساب الاراضي التي تم سلبها بعد سلسلة هدم بيوت الفلسطينيين المشيدة دون تراخيص، حتى لو كانت على أرضهم هم. يقول المسؤول عن الحي اسماعيل أبو رباح والمعروف بأبي جعفر، وهو أحد السكان الذي اختارهم المحافظ ليهتم بشؤون الحي ويتكلم باسمهم: “لا يخلو عام إلا من هدم لبيت او اكتر لأن الناس بتبني من دون رخص بعد ما وقفوا إعطاء الرخص ومنعونا نتوسع بسبب المستوطنات.”

وبالإضافة إلى عدم إعطاء تراخيص بناء والهدم السنوي، يتعرض السكان لضغوط عديدة بطرق مجَّمَلة لبيع أراضيهم ومنازلهم. مغريات لم ترقى يوماً لثمن عشقهم للوطن. يضيف أبو جعفر: “فش واحد ما نعرض عليه يبيع بيته هون.” وعن نفس الموضوع يقول أبو باح: ” هاي الأراضي اكثر منطقة صار عليها بيع. لولا وجود أهالي الحي هون كان كثير اراضي طارت (أي تم تسريبها للمستوطنين).”

مصير مشترك

صورة تظهر مدى قرب المستوطنات على أراضي الحي

أما حاملو الهوية المقدسية من سكان الحي، فكان عليهم مغادرته لمناطق تقع تحت السيطرة الاسرائيلية أو ُيقطع الاحتلال مخصصات التأمين الممنوحة من قبله. إذ يهدد الاحتلال السكان المقدسيين الذين أثبت سكنهم خارج الاراضي التابعة له بقطع مخصصات تأمينهم أو سحب إقامتهم. فيضطر البعض بالتضحية بمخصصات التأمين أو مغادرة الحي لمناطق مقدسية عرفت بغلاء أسعار الإيجار والبناء.

ويعيش في حي الخلايلة وفقاً لما حدثنا مسؤول الحي أبو جعفر ما يقارب 750 نسمة، بعضهم من حملة الهوية المقدسية والآخر من حملة الهوية الفلسطينية ليقع كلاهما بين سندان الاحتلال ومطرقة التهميش. يقول أبو رباح: ” اللي بده يعزز صمودي هون هو انتمائي لفلسطين، وما بستنى حد يعطيني المقابل.”
اقرأ أيضا عن كابوس “إثبات السكن” في مدينة القدس: هنا.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

1387 Views