المنزل الذي وقع على خط التماس

أسيل عيد
17 أيار 2017

جورج برامكي في حديقة منزله الحالي. تصوير: رشا ازحيمان.

لطالما تسلل الراحل انضوني برامكي خفية قرب خط التماس الفاصل بين الأراضي المحتلة عام 1948، والضفة الغربية الواقعة تحت سيطرة الحكومة الأردنية آنذاك. يمشي تارة ويقف أخرى ليتفحص منزله بعيون مليئة بالوجع بعد أن حوّله الاحتلال لثكنة عسكرية في الجهة المحتلة المقابلة. قال نجل برامكي جورج برامكي لقدسكم: “أبوي كان يضل يروح على البيت وبس يرجع يضل مسموم بدنه، كان كتير يتأثر. دم قلبه حطه فيه.”

منذ ذاك الحين لأعوام طويلة تلته، لم يَمَّلَ برامكي يوماً من تلك الزيارة الخطرة لذاك البيت الذي هندسه وشيده باسم زوجته حباً واحتراماً عام 1932، كما لم يَمَّلَ يوماً من استرجاع الذكريات فيه وسرد تفاصيل تفصيلها رغم الغصة والوجع، والتي زادتا أضعافاً بعد أن شوهت رصاصات الحرب أقواس المنزل وحجارته.

برامكي الأب، لم يكن الوحيد الذي سلبه الاحتلال منزله وأرضه في نكبة العام 1948، لكن منزله الذي وقع على خط التماس كان له حكاية مختلفة. وفي زيارة خاصة له من موقع قدسكم في منزله الكائن في بيت حنينا شمال القدس المحتلة، رحب بنا نجل برامكي بابتسامة بسيطة جميلة لقلب طيب ووجه زادت التجاعيد جماله، كما زادت حديقة المنزل المليئة بالورود جمال حبه للأرض. جلسنا سوياً، ثم عاد بنا لعام 1948 في ذاك البيت المسلوب حين كان عمره إثنا عشر عاماً.

اضغط هنا لتستمع لذكريات جورج برامكي أبان النكبة في العام 1948.

كان برامكي سعيداً باسترجاع ذكريات طفولته حتى توقف لبضع ثوان ثم أكمل بحرقة: “طلعنا من البيت بشنته وحدة بس .. راح البيت وراح كل اشي.” كانت الحرب النفسية التي تعمد الاحتلال شنها على الناس وخاصة بعد مجزرة دير ياسين في القدس من أقوى الأسلحة الممنهجة لتهجير السكان قسراً. فقررت عائلة برامكي على غرار الكثير من الأهالي حينها مغادرة القدس “لأيام قليلة” حتى تهدأ أوضاع الحرب. وبحقيبة واحدة، انتقلت العائلة إلى منطقة الطالبية عند أحد أقاربهم.

وهناك لم تكن الأوضاع أفضل حالاً، إذ قتل أحد قائدي عصابات الصهاينة على يد الفدائيين الفلسطينيين لتبدأ سلسلة الترويع والتدمير والطرد وتنتقل العائلة إلى البقعة. قال برامكي: “بتذكر في البقعة كان الرصاص يخترق الشباك ويوقع على راسنا، بتذكر في رصاصة مرت من جنب راس اختي.” ومن البقعة لبيرزيت لغزة التي مكثوا فيها أربعة سنوات كانت رحلة شتات استمرت أعواماً طويلة قبل أن تلجأ العائلة لبيرزيت مجدداً وسط رفض تام لمغادرة أرض الوطن حتى حرب النكسة.

الأوراق الثبوتية لملكية المنزل الخاصة بعائلة برامكي. تصوير: رشا ازحيمان

كانت ستة أيام فقط هي المدة التي استغرقها جيش الاحتلال لإحكام السيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة. حينها، أزيلت الحدود، وأزيل ذاك الشيك الفاصل قرب بوابة مندلبوم المحاذية لبيت برامكي، والتي كانت تفصل الضفة الغربية عن الأراضي المحتلة عام 1948.

الخارطة الهندسية التي وجدها برامكي. تصوير: رشا ازحيمان

انتظرت العائلة حتى غادر الجنود المنزل الذي حولوه لثكنة عسكرية طيلة 19 عاماً لتفاجأ العائلة بمنع الاحتلال لهم بحجة أن المنزل لم يعد ملكاً لعائلة برامكي بل مسجلاً باسم حارس أملاك الغائبين. هذا المصطلح لم يفهمه معظم الفلسطينيين حينها. دارت علامات استفهام كثيرة حول حقيقة مفهوم الغائبين الذي كان يجب أن يتبدد لحظة عودتهم، وحارس أملاك الغائبين الذي يرفض إعادة أملاكهم إليهم! لتسرق بيوتهم وممتلكاتهم باسم قانون يحتوي على اسم مغاير للحقيقة المرّة.
أموال طائلة دفعتها العائلة لمحامين عدة في محاولة لاسترجاع المنزل دون جدوى. لم يفلح المحامون ولا حتى أوراق المنزل الثبوتية منذ العهد العثماني والبريطاني، لتقوم سلطات الاحتلال باستخدام البيت كمعرض ينادي بضرورة “التسامح” متجاهلاً المالك الأصلي للمنزل، ثم حُوّل عام 2005 لمتحف ضم عروضاً مختلفة للفن المعاصر بمبادرة من أحد الفنانيين الاسرائيليين “رافي اتجار” وبرهم من العائلة الألمانية فون هولتسبرينك. وسمي المنزل فيما بعد “متحف على خط التماس.”

هي قصة طالما رواها أنضواني برامكي لأحفاده، ورواها جورج لأبنائه وأحفاده في إصرار ممزوج بالأمل لإعادة منزل سرقه الاحتلال باسم القانون. يقول برامكي: “دايما بوصي ولادي: “لاحقوا البيت”، هم صغار. كلهم بيعرفوا على البيت وكلهم صاحيين على القصة بس بيقدروش يعملوا اشي … لهلأ.”وفي ثمانينات القرن العشرين، كان جورج برامكي يعمل على مقربة من منزل والده المسلوب. ورغم غصة الظلم في قلبه، إلا أنه لم يكن يمنع نفسه من تفحص المنزل بعيونه في كل مرة يسير بسيارته من أمامه حتى شاهد فجأة أعمال ترميم في المكان. أوقف سيارته وترجل منها ليستفسر عن الأمر. لم يكن أحد في المنزل حينها، لكنه رأى خرائط هندسية تصور كيفية تغيير المكان كانت موضوعة جانباً، فأدرك الأمر. كانت تلك بداية عملية ترميم لافتتاح ما اسموه متحفاً ، نُصب على مدخله لوحة كبيرة تشهد لعائلة برامكي بهندسة المكان لا ملكيته.

هي قصة طالما رواها أنضواني برامكي لأحفاده، ورواها جورج لأبنائه وأحفاده في إصرار ممزوج بالأمل لإعادة منزل سرقه الاحتلال باسم القانون. يقول برامكي: “دايما بوصي ولادي وأحفادي: “لاحقوا البيت”، هم صغار. كلهم بيعرفوا على البيت وكلهم صاحيين على القصة بس بيقدروش يعملوا اشي … لهلأ.”

 

صورة للوحة التي وضعها الاحتلال على مدخل المنزل المسلوب. تصوير: رشا ازحيمان

يظهر في الصورة الاولى منزل عائلة برامكي قديماً ويظهر فيه جورج برامكي وهو طفل. أما الصورة الثانية وهي تصوير رشا ازحيمان، فيظهر فيها المنزل حالياً بعد تحويله لمتحف.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

174 Views