الصباح الأول بعد هدم حي المغاربة

17 حزيران 2017
أسيل عيد

صورة تظهر عائشة المصلوحي، إحدى سكان حي المغاربة الأصليين. تصوير رشا ازحيمان

كانت شمس يوم الحادي عشر من حزيران تغيب ملقيةً ظلالها على بيوت حي المغاربة المحاذي لحائط البراق في مدينة القدس الشريف. تحاول أن تخفي وجع النكسة، وتكتم ضحكات أطفالٍ لم يعي أحدهم معنى الحرب بعد. هدوء مربك، وليلة قلبت حياة أهالي الحي رأس على عقب بعد أن استفاقوا على صوت لكنة عربية ركيكة عبر مكبرات الصوت: “اطلع من بيتك، جيش الدفاع الاسرائيلي رح يهد المكان.” ثم نسف الحي خلال ساعات.

وفي “زاوية المغاربة” المكان الوحيد الباقي من الحي بالقرب من المسجد الأقصى المبارك، والمحاذي لباب حديدي أقيم لفحص هويات الراغبين بزيارة حائط البراق، التقينا أحدى سكان الحي الأصليين “عائشة المصلوحي.” هي اليوم تسكن هناك، تطل من نافذتها يومياً لترى المساحة الكبيرة التي خصصت لصلاة اليهود بعد هدم المنازل وإزالة الحي بشكل كامل. قالت: “انا هلا بذهني مرسوم الحي بيت بيت، كيف كنا ندخل وين كنا نلعب وين كنا نقعد، الدور لمين. مرسوم بذهني كل دار بدارها. ولا بتغيب عن عيني ابداً.”

حيٌ صغير مليئ بالحب، روحٌ واحدة بالفرح والحزن لأهالي قدموا من المغرب العربي نصرة للقدس وأهلها، وشاركوا في تحريرها من أيدي الصليبيين مع صلاح الدين الأيوبي عام 1187 ميلادي. فمنحهم حياً من أحياء البلدة القديمة كوقف ذري لهم ولأولادهم إكراماً لهم قائلاً: “انهم أصحاب الثغور، وهم امناء على الأقصى.”

عاش أهالي المغرب أعواما طويلة في القدس واتخذوها وطناً لهم. البعض منهم استقر فيها بعد الحرب مع الصليبيين والبعض الآخر قَدم طلباً للعلم وسكن فيها. عاما بعد عاما، عُرف أهالي الحي بالكرم والإنتماء لمدينتهم الجديدة. بنوا في الحي مسجدين، ومدرسة والعديد من البيوت المتناسقة. وسُمي باب المغاربة للمسجد الأقصى المبارك على اسمهم لوقوع حيهم بالقرب منه. أما زاوية المغاربة في الحي فهي مكان كان مخصصا لإيواء الحجاج من المغرب العربي وشمال أفريقيا، يقدم لهم القائمين على الزاوية الطعام ويوفر لهم مكاناً للنوم مجاناً لثلاثة شهور. تقول المصلوحي: “انا ما بنكر اصلي من انكر اصله فلا اصل له. انا بعتز بجذوري المغربية بس انا بنت القدس، مقدسية المولد والانتماء. ما بقدر اضل باي بلد تاني بالعالم.”

صورة تظهر حي المغاربة، أمام حائط البراق قبل هدمها

وعن تفاصيل طفولتها، تقول: “احنا كنا اول بيت بالحي، دارنا كانت مشهورة بتينة كبيرة وفروعها كانت جاية على الشارع. كانت امي بموسم التين لما نطلع نلقط بالسلات الصغيرة تجيب الصحون وتوزع على الجيران قالت:”كلهم بيشوفو التين وكلهم بيجي على بالهم. خليهم يذوقو.”

وفي صباح الثاني عشر من حزيران من عام 1967، استيقظ أهالي القدس ليجدوا حارة المغاربة أكواماً من الحجارة والتراب، وأهلها مشتتين دون مأوى. خلال ليلة واحدة فقط أصبحوا لاجئين.

اليوم يقف المستوطنون في المكان الذي دفنت فيه جثث الفلسطينيين، الذين لم يعرف عددهم، تحت الركام بعد أن هدمته جرافات الاحتلال وحولته لساحة كبيرة معبدة ومسورة. يقفون على جراح أهالي الحي وذكرياتهم ليصلوا لله كي يحفظ المكان لهم كملك خاص “لدولة” يهودية خالصة.

صورة التقطت لإحدى جرافات الاحتلال الإسرائيلية خلال هدم الحي

تقول المصلوحي: “قرأت اعترافا بصحيفة هارتس للضابط يلي دخل على حي المغاربة وامر بالهدم. قال انه سائق الجرافة ما قبل يهدم اول بيت فاخد الضابط مكانه وقال: انا بساعدك.” وأضافت: “كتبو بالجريدة: “وجدنا 3 جثث تحت الانقاض.” احنا كنا نعرف وحدة منهم كنا نسميها الحجة الدهبية. هي ما بتسمع، فما سمعتهم وهدوا الدار عليها.”

حي كامل وتاريخ عريق هُدّم خلال ساعات. استمع لقصة الحي على لسان المصلوحي هنا.

اليوم، بعد خمسين عاماً من هدم الحي، وتشتيت أهله الذين عاد قسم منهم للمغرب فيما بقي القسم الاخر لاجئاً مشتتاً في فلسطين، تبقى ذكرى هدم الحي وطرد سكانه تتردد على لسان أهالي القدس بهدف التوثيق الشفوي لمحاولات تغيير ملامح المدينة المتكررة وتهويدها.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

428 Views