“خنساء القدس” أم لثلاثة أطفال لن يعودوا للمنزل

جمانة الديسي
3 تموز 2017

خنساء القدس، والدة الشهداء الثلاث سامر وياسر ومحمد الكسبة

“لم يكن لأولادي رغبة بالعيش في الأردن، دائما كانوا يريدون العودة إلى فلسطين. حاولت مراراً وتكراراً إقناعهم بالبقاء هناك لكن دون جدوى، وفعلاً عادوا وعاشوا هنا لكن ثلاثة منهم كان نصيبهم الاستشهاد”. هكذا بدأت أم ثائر “فاطمة الكسبة” أو الخنساء كما يطلق عليها أهالي مخيم قلنديا الحديث عن أبنائها الشهداء الثلاث. شهقت وبكت ثم أكملت الحديث المعتاد عن إلحاحها على أولادها ثائر وتامر وياسر وسامر ومحمد بالبقاء في الأردن، لكن القدر كان اقوى.
في الثاني والعشرين من شهر رمضان للعام 2001، كانت أم ثائر تجهز طعام الإفطار. أثناء ذلك، خرقت أصوات الرصاص ذاك الهدوء في المخيم بعد أن اقتحمته قوات الاحتلال لتندلع مواجهات بين شبان المخيم والقوة المقتحمة. التهبت نار الخوف في صدرها على أولادها الذين كانوا خارج المنزل، فرفعت سماعة الهاتف للإتصال بهم حتى تطفئ نيران قلبها لكن إجابة الهاتف كانت على غير المتوقع: “لا يمكن الوصول”.
خرجت أم ثائر تجوب أزقة المخيم، أمضت ساعة كاملة تدور حول نفسها بحثاً عن خبر يطمئنها على أبنائها، حتى جاء بعض الأقارب إليها وعيونهم ممتلئة بالدموع. وبوجوه عابسة وشفاه تتأرجح في النطق، قالوا لها: “ياسر اتصاوب رصاصة في رأسه”.
وما هي إلا ايام حتى أعلن عن استشهاده متأثرا بجروحه، لتعيش والدته حسرة فراقه وتبدأ بتجرع كأس الصبر على رحيل الإبن الذي ملأت أحلامه وأفكاره الدنيا.

ثأر ياسر

بتاريخ 25 من كانون الثاني للعام 2002، لم يكن قد مضى على بدء الإنتفاضة الفلسطينية الثانية ما يقارب العام. وكانت قد اشتدت أحداثها ليفرض الاحتلال الإسرائيلي حصاراً على كل مدن الضفة الغربية منها مقر الرئيس الراحل ياسر عرفات في رام الله.
وفي يومٍ كانوني بارد، صادف اليوم الأربعين لاستشهاد ياسر، خرج سامر من المنزل ظهراً بحجة مساعدة صديقه في نقل أثاث منزله لمنزل اخرٍ جديد إلا أنه لم يعد!
وعند الساعة الرابعة عصراً، جاء عم ياسر لاهثاً متسائلاً عن مكانه فأخبرته والدته أنه خرج مبكراً ليساعد صديقه. كان الخبر سريعاً كسهم في القلب حين نطق بالخبر قائلاً أن وسائل الإعلام تتناقل خبر إصابة سامر الكسبة برصاصة في الرأس خلال مواجهات اندلعت بالقرب من مقر المقاطعة في رام الله.
وعن تلك اللحظة، تقول أم ثائر إنها رفضت تصديق الخبر في البداية. وأضافت بصوت حزين: “حرموني من ولادي وأنا ما شبعت منهم، والله لو إني جبل لتهدم.”

نور جديد في حياة الخنساء

وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً على فراق ابنيها الشهيدين ياسر وسامر، واصلت أم ثائر تربية أبنائها الثلاثة المتبقين وهم ثائر وتامر ومحمد “آخر العنقود.” ولد محمد بتاريخ السابع من حزيران للعام 1998، وكان يبلغ ما يقارب الثلاث سنوات حين استشهد شقيقاه. “كثير كلام كان محمد، بس عزيز على قلبي أكثر” هكذا تقول الخنساء عن آخر عنقودها.
أدركت الوالدة محبة ابنها الصغير لمواجهة المحتلين، وفكرت أن تبعده عن طريق المواجهات “اللي فينا بكفينا” كما تقول، وقررت السفر مع محمد إلى السعودية لقضاء مناسك العمرة معاً، كان ذلك في الخامس من أيار لعام 2015، محمد أعجب بهذه الرحلة وقال لوالدته: “ليت المسؤول عنا يغفل عني ويتركني هنا”.

السحور الأخير

العديد من أهالي المخيم طبعوا صور الشهداء الثلاث على قمصان خاصة فخراً ومؤازرة للعائلة

حل رمضان في تلك السنة بعد شهر واحد زيارة أم ثائر ونجلها محمد مكة المكرمة وأداء مناسك العمرة. كان محمد مواظباً على الصوم والصلاة في المسجد. وككل يوم، استيقظ محمد في الأسبوع الثالث من شهر رمضان لتناول وجبة السحور مع عائلته قبل أن يذهب إلى صلاة الفجر مع والده في المسجد، وعاد ابو ثائر دون عودة محمد.
كان محمد قد ذهب للمساعدة في تنظيم السير قرب حاجز قلنديا العسكري شمال القدس المحتلة، إذ تزداد أزمة السير في وقت يهب كل المصلين للذهاب للمسجد الأقصى المبارك. حينها، مرت إحدى السيارات العسكرية التي تقل أحد ضباط الاحتلال، أقبل محمد متصدياً فترجل الضابط من سيارته وقام بإطلاق النار مباشرة اتجاهه. كانت طلقات مسدسه قريبة وقاتلة، اخترقت رأسه كما اخترقت مسامع والدته التي هرعت لتفقد محيط المنزل من النوافذ، لكن الظلام كان كل ما رأته.
وفي الساعة السادسة صباحاً كان الخبر قد انتشر في أرجاء المخيم، فحملت لها الخبر بضعة نسوة زرنها يتوشح اليأس والحزن وجوههن. وفي ساعة توقفت الحياة فيها للحظة في عيني أم ثائر، صرخت دون إدراك: “وين حمودة وين حمودة؟” لتدوي صرختها في أزقة المخيم.
وعلى الفور اقترب تامر من أمه وعينه تحفر في الأرض قال: “يما حمودة تصاوب برجلة وإصابته خفيفة”، لم تمض دقائق حتى جاءت شقيقتها وأبلغتها الخبر: “حمودة استشهد”. لتفقد أم ثائر وعيها.
مواعيد مختلفة لاستشهاد الأخوة الثلاث، وجع أكبر للاجئين ارتقت روحهم ظلماً بعد لجوء عائلاتهم من قرية برفيلية أبان نكبة الشعب الفلسطيني. عادوا من الأردن ليسكنوا في البلد التي أحبوا، إلا أن القبر جمعهم برتبة الشهادة التي دفعوا دماءهم لها ليحتضن الوطن أخيراً ثراهم الطاهر.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

727 Views