ما بعد باب حطة باب الفتح

9 آب 2017

الناشط الحقوقي والمقدسي خليل أبو خديجة

بعد الجولة التي ربحها المقدسيون على بوابات المسجد الأقصى، وفتح بوابة باب حطة عنوة، والتقاط المقدسيين انفاس العزة والكرامة للمرة الأولى منذ زمن، تفرض علينا البوابة اعتبارها مرحلة مفصلية في تاريخ القدس. ليس لقيمة الانتصار فقط، وليس تأكيدا على خصوصية المسجد الأقصى فقط، بل لأن هذه البوابة أرجعت للمقدسي هويته التي فقدها عام 1948، وأزاحت عنه حالة التشرذم وضياع البوصلة وفقدان الثقة بنفسه و بجمهوره و بقيادته، أربعة عشر يوماً أعادت كل ما فقد بعوامل الحت والتعرية التي يوجهها الاحتلال عبر الفصول، لم تستطع الا ان تكشف المعدن الأصيل لأصحاب الأرض.

بعد مرحلة باب النصر، أليس من المفترض التوقف عند مرحلة رص الصفوف، والبناء على ما كان، قيمة الانتصارات المرحلية تتلخص في قيمة البناء المشيد على أساساتها المتينة، حتى الان لا نرى سوى التجاذبات بين القوى التي كانت صامتة هادئة تتابع من بعيد طوال السنوات الماضية، وترى نفسها مرجعية عامة في توزيع بطاقات العيش الكريم، وحضور التكريمات، واستلام الدروع، والتصريح للصحافة المحلية والدولية، وهذا بالتأكيد ليس المكان الذي عليهم ان يشغلوه في هذه المرحلة.

عندما يقرر الجمهور أن الوحدة هي السبيل، ينبغي على “القيادة” أن تسير مبادرة إلى الوحدة، وأن تنأى بنفسها عن المهاترات والمزايدات الفارغة على الأحزاب والفصائل الأخرى، فالجمهور عاد مرة أخرى للهدف، واتفق على الوسيلة، ونفذ بكل ثقة ما اختار، ولم يتراجع ولم يستسلم حتى مع محاولات الاحتلال الالتفاف عليه، واللعب بأعصاب المرابطين والمعتصمين بين الإفراج والاستمرار في الحراك.
لم يدع أي من الشبان والشابات الذين غضبوا، وحزنوا، ثم قرروا وثبتوا حتى ذرفوا الدموع فرحاً بدخولهم لمسجدهم، ولم ينتظروا أن تتم دعوتهم إلى مجالس الخطب العصماء والتكريمات الوهمية، وأؤمن تمام الإيمان، أنهم لن يلبوا الدعوة في حال حصلت! فلقد عادوا الى ما كانوا، كل في مكانه، يواجهون معركتهم الأكبر باستمرار وجودهم في القدس. لم ينتظروا الدولارات وحركة الترقيات في النيابة من دويلة الشمال، ولم ينتظروا مباركة المسيرة أو صواريخ بعيدة المدى من دويلة الغرب، وإنما عادوا لتلك المدينة التي على من يرابط فيها أن يعمل بالسخرة تقريبا ليحافظ على حقه في البقاء في حدودها، تلك المعركة الأكبر، مع مؤسسات دولة الاحتلال، هؤلاء الشبان لم يكن لديهم الوقت ليفرحوا بنصرهم لأكثر من أربع ركعات، وقليل من ماء السبيل في المسجد الأقصى، فأعادوا شحذ الهمم، وانطلقوا لمعركة الاستنزاف الطويلة.

اليوم، هؤلاء الشبان أنفسهم، يرغبون في الحفاظ على وحدتهم، يأملون استمرار نجاحهم، وينتظرون تلك المجموعة، التي ستأخذهم لنصر آخر، بعيدا عن الفصائلية والحزبية التي فرقتهم، والمصالح المادية التي بعثرتهم، والأطر التي تمت تصفيتها منذ أوائل التسعينيات في سبيل تمجيد فرد أو حزب أو فصيل. للمرة الأولى، يرغب المقدسيون في أن يكون لهم الفعل لا ردة الفعل، للمرة الأولى لا يريدون ان ينتظروا ليروا ما الذي سيحصل بعد مرحلة باب النصر، لا يريدون ان ينتظروا لما بعد نتنياهو، ولا يريدون أن ينتظروا لما بعد أبو مازن، هل يشكل المقدسيون خريطة سيرهم وحدهم دون مرجعية؟ هل تبادر المرجعية في احتضانهم على أسس الوحدة والهدف الأسمى؟ أم نعود للدائرة المفرغة الأولى التي ضعنا فيها كما ضاعوا في سيناء؟

عندما رفض المقدسيون الانتظار، كانوا متأكدين أنه ليس هنالك من سيبذل للمسجد ما يستطيعون بذله، فلم ينتظروا شيئاً من رام الله، ولم يعولوا على غزة، ولم تخطر ببالهم عواصم عربية، أو أسماء رنانة، لم يخطر ببال كل منهم غير اسمه وأسماء أبناءه وبناته، أخذهم وتوجه ليعترض، وليثبت وجوده وحقه. فيما أجزم أن “القيادات الفلسطينية والحكومات الفلسطينية” كانوا على علم بكل ما يجري، علموا بهتافات المعتصمين التي ذمتهم، وعلموا أيضاً بذم المعتصمين وهجائهم لقيادات الدول العربية، وهذه مصيبة. وأما إن لم يعلموا، وأنه غرر بهم، وأن حاشيتهم، ودائرة نفاقهم كذبت عليهم، فهذه مصيبة أخرى أكبر وأعظم.

هذه دعوة للجميع، من كانوا على البوابات معتصمين، ومن كانوا في مكاتبهم وبيوتهم، ومن كانوا في دول أخرى، شقيقة وغير شقيقة، ومن نزلوا الى الشارع الآن بعد نهاية الحدث، أن يجمعوا كلمتهم، وان يعطوا الفرصة لشبابهم وشاباتهم، الذي يمتلكون من القدرة والقوة والتصميم و”الجكر” على أن يغيروا ما عجزوا هم أنفسهم عن تغييره، فالصلاة في باب الخليل، لم تكن معجزة، لكنها لم تحدث منذ النكسة إلا على أيديهم، والصلاة على عتبات حائط البراق، حق لكل مسلم، وزيارته حق لكل فلسطيني، ومفتاح باب المغاربة مشتاق لإخوته مفاتيح باقي الأبواب، وعودته ليست حلماً بعيد المنال، دعونا نحلم بانتصارات مرحلية أخرى.

الشارع هو المحرك، وهو المفكر والمقرر والمنظر والمطبق، يدفع فاتورة قراره بالدماء، ويبذل الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ على حجره وبشره، الرهان لم يكن أبدا إلا على الشارع، فالدعوة دوما للجمهور بان يبقى يدا واحدة، وان يحمل نفس الروح، وان لا يخشى إلا فقدان وحدته التي شكلتها الضغوطات التي لم تتحملها القيادات المتعددة، ولا أصحاب الشعارات الرنانة، البارحة كان الجمهور يقضي أيامه ولياليه على بوابات الأقصى، فأين سيكون الجمهور غداً؟

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

142 Views