باب حطة، عقوبات جماعية بأوامر “من فوق”!

20 آب 2017
أسيل عيد

 

حي باب حطة في البلدة القديمة للقدس المحتلة

جلسنا مع اثنين من التجار المقدسيين، في قلب دكانهما الواقعة بحي باب حطة، أحد أحياء البلدة القديمة للقدس المحتلة. عثمان القلجاوي والحاج كمال راشد كباقي تجار الحي، يطلب جنود الاحتلال منهما إغلاق أبواب محلهما في أيام كثيرة ومتفاوتة من السنة. عقوبات جماعية أو مزاج جندي متعكر، حجج لا منطقية كثيرة مثل فقدان شرطة الاحتلال السيطرة على أطفال الحي الغاضبين من وجودهم واعتداءاتهم المتكررة أو عند اندلاع مواجهات بين الشبان والجنود بعد اعتقال أحدهم بطريقة مهينة أو منع الشبان من الدخول المسجد الأقصى. أسباب كثيرة تنتهي بمواجهات يتبعها فرض إغلاق محلات كافة التجار في المنطقة كعقاب جماعي بحجة: “انتو بتعرفوهم، احكولهم ما يضربوا حجار.”

أوامر “من فوق”

عثمان القلجاوي، أحد تجار حي باب حطة

“صرت اقلهم ليش بتعاقبونا عقاب جماعي أنا عندي 4 اولاد كيف بدي ادفعلكم تأمين وضرايب؟ بكرا اذا بقلهم معيش بقولولي كذاب. طيب شو الحل بهالموضوع؟ الرد كان: “هاد الموجود، سكر بلاش نكسرلك محلك.” قال لنا القلجاوي (43 عاماً). وأضاف: “ما بيفرجي أمر تسكير، من راسهم بحكو معنا بقولوا أوامر من فوق.”

العديد من أهالي الحي يعلمون جيداً أن حتى علبة عصير تقع بالخطاً قرب الجنود ستقودهم لإغلاق محالهم التجارية بحجة ضرب الحجارة. كانت الأمور قبل الانتفاضة الفلسطينية الثانية أقل حدة ثم تفاقمت عاماً بعد عام مع ازدياد المواجهات بين الشبان وجنود الاحتلال ليجد التجار أنفسهم اليوم عاجزين عن إعالة أسرهم. قال القلجاوي: “أضراري كبيرة. أنا مستأجر محل ب 2000 شيكل وكهربا وأرنونا (ضريبة السكن) ومخزنين بالشهر مصروف بوصل 4 او 5 الاف شيقل. عشان أطلع رزقتي وما التحق بفتح المحل من 7 الصبح لل 10 بالليل. عشان أعيش ولادي بكرامة بدون ما يعتازوا أي حد.”

ووضح القلجاوي أن غياب قيادة فلسطينية جامعة موحدة تقدم اعتراضات وتدافع عن حقوق التجار هو أحد أهم أسباب استمرار الاحتلال انتهاك حقوق التجار الفلسطينيين في القدس. وأضاف أن على كافة المسؤولين والجهات المعنية اتخاذ خطوات جدية لتغيير الوضع القائم والوقوف بجانب تجار حي باب حطة بالخصوص والبلدة القديمة بالعموم تطالب أولاً بإيقاف العقوبات الجماعية التي تنتهك حقوق الإنسان في البلدة القديمة للقدس.

قانونياً، تعتبر العقوبات الجماعية إحدى جرائم الحرب. إذ تنص المادة 33 من اتفاقية جينيف الرابعة، والتي تسمى أيضاً باتفاقية جينيف لحماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب، على حظر هذه العقوبات بكل الأحوال: “لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً. تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب.”

مع ذلك، تستمر العقوبات الجماعية من قبل سلطات الاحتلال على الفلسطينيين كهدم منازل أهالي الشهداء الذين أدت عملياتهم لموت مستوطن اسرائيلي أو أكثر، إقامة الحواجز، إغلاق الشوارع المؤدية للأحياء و القرى الفلسطينية التي يسكنها الشهيد نفسه أو الطرق المؤدية لمدينة القدس.

يقوم جنود الاحتلال بتطبيق هذه العقوبات بعد عمليات طعن أو دهس أو تفجير من قبل أحد الفلسطينيين ضد الجنود أو المستوطنين تؤدي لقتل أو جرح عدد منهم أو بعد مواجهات تندلع بينهم وبين الشباب الفلسطيني بسبب التضيقات المفروضة على السكان مثل التفتيش الجسدي بمجرد الشك، نقاط التفتيش التي تعرقل الحركة، الاقتحامات والاعتقالات التي تصحبها إهانات وضرب، تحديد أعمار المصلين في المسجد الأقصى المبارك في أيام الجمعة، السماح للمستوطنين باقتحام باحات الأقصى وتدنيسه، قمع المظاهرات والمسيرات بالرصاص المميت، محاولة عرقلة الفعاليات الوطنية والثقافية، أو استشهاد أحد الشبان أو الأطفال برصاص الاحتلال.

أسباب كثيرة تتذرع بها سلطات الاحتلال لتفرض اغلاق المحلات التجارية لساعات معدودة أو لطوال اليوم. لكن في حي باب حطة يبقى الوضع مختلفاً، إذ أن العقوبات الجماعية التي تفرض عليه تأتي بغير سبب بارز مثلاً ضرب الحجارة لدقائق أو مشكلة صغيرة بين أطفال الحي وجنود الاحتلال يخسر بسببها التجار مئات الشواقل.

تهديدات بلا منطق

الحاج كمال راشد ، أحد تجار حي باب حطة

وفي نفس الحي، مقابل دكان القلجاوي لليمين قليلاً كان الحاج كمال راشد أبو عزمي (80 عاماً) يقوم بالحلاقة لأحد زبائنه. بعد انتهائه أكد ما قاله القلجاوي وقال: “هديك اليوم اجا الجندي يقلي سكر المحل، قلتله ليش نسكر؟ قلي الولاد بيضربوا حجار. بقله وين ضربوا حجار؟ قلي بحارة السعدية طيب بحارة السعدية سكر حارة السعدية ليش بتسكر هون! فصرخ: بدك تسكر ولا أضربك قنبلة بنص الدكان؟ بعدها سكرنا وروحنا.”

بسبب إغلاق المحل, لم يتمكن أبو عزمي من دفع الفواتير المترتبة عليه، إذ قال: “فاتورة الكهربا محطوطة 100 شيكل صرلها اربع ايام مش قادر ادفعها. كنت زمان أروح بالدار معي أكياس أحطهم. اليوم أنا بروح عالدار بكون فش بإيدي اشي للدار!”

القلجاوي وأبو عزمي نموذجان مصغران يعكسان حال حي كامل. هما ليسا الوحيدين في هذا الحي المهمش خدماتياً والذي تفرض حكومة الاحتلال عليه عقوبات لا منطقية لأسباب لا علاقة للتجار بها. هم كالكثيرين من سكان الحي، متمسكين بوجودهم، يضطرون إلى فتح محالهم التجارية من الصباح حتى المساء ليجمعوا نقوداً تساوي نصف ما يجمعه بقية التجار في القرى المجاورة إلا أنهم يرون في هذه الصعوبات تحديات لا يمكن إلا خوضها لتعزيز الوجود المقدسي في المدينة.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

105 Views