محمد شرف|شهيداً لأجل الأقصى “برصاص مستوطن”

23 آب 2017
كتابة: أسيل عيد
تصوير ومونتاج: صابرين عبيدات

ذاك  الجميل ذو الثمانية عشرة ربيعاً كان وجع فراقه مختلفاً، كأنه ممزوج بالعلقم أو أكثر! فمجرد تذكر قاتله الذي مشى قرب مكان جريمته متبختراً مبتسماً مع سلاحه دون رقيب أو حسيب يزيد إيمان عائلته والمواطنين بموت غصن زيتون السلام واندثاره. محمد شرف لم يكن يعلم أنه سيرتقي شهيداً برصاص مستوطن شرعنت له قوات الاحتلال القتل أمام مرئى أعينهم، ولكنه كان مؤمناً بحلم طالما كرره على مسامع والدته: “يما بشوف حالي شهيد، وجنازتي كتير كتير حلوة.”

في رأس العامود أحد أحياء قرية سلوان شرقي القدس، عاش محمد ثمانية عشر عاماً لشقيق واحد وأربعة شقيقات. درس في “المدرسة الشاملة” في حيه وكان رقيقاً، حنوناً طيباً محباً لخدمة الغير كما وصفته والدته. وعلى غرار هدوء طفولته، ازدادت علاقات محمد عاماً بعد عام ليكثر معارفه ويشتد عوده ويصبح سند العائلة. أي يد وقدم والده المريض بعد اعتقال شقيقه الأكبر أحمد عام 2015، فأصبح يساعد والده بالعمل لتوفير قوت يوم العائلة.

أما رفع الأثقال فكانت هواية مشتركة بينه وبين أخيه أحمد. ربما مال إليها لأنه اشتاق إلى من غاب عنه وتركه وحيداً وربما لأنه أحب هذه الرياضة حقاً، لكن طموحه الأكبر كان دراسة الطب. قال لأسرته يوماً: “حاسس الطب شغلة انسانية، بساعد الناس أكثر.”

ألم مضاعف

محمد، لم يسلم أيضاً من بطش الاحتلال، إذ اُعتقل في منزله بعد مطاردة الجنود الإسرائيلين له ولأصدقائه اعتقاداً منهم أنه رمى الحجارة على سيارتهم العسكرية غير مقتنعين بأنه كان يبتاع الخبز لوالده. ضربه لم يتوقف الجنود عن ضربه منذ لحظة إعتقاله حتى زجه في غرفة التحقيق، ليخرجوه في اليوم التالي بعد التأكد من خطأهم ويذهب حقه في التعويض أو الاعتذار هباءً هكذا كأن شيئاً لم يكن.

وبنبره مليئة بالألم قالت والدته لنا: “عندي ولدين، أكبرهم أسير وأصغرهم استشهد.” توقفت عن الحديث ثم كملت، كأنها تكتم بركاناً واشك على الإنفجار. تذرف الدموع ثم تسرد الحكاية مستذكرة أصغر تفاصيل فرحة نجاحه: ” انا خفت ما ينجح بس هو قلي انا متأكد من نجاحي اخوي بالسجن وانا بدي افرح .. قلي لما اعرف النتيجة بحكيلك وسكر تلفونه. بعد بنص ساعة رن علي قلي: يما هيني نجحت، افرحي يما.”

أما تلك الستارة التي نصبت لتخفف حرارة الشمس عن المهنئين والمحتفلين بنجاحه في الثانوية، كانت نفسها التي خففت الحرارة عن المهنئين باستشهاده بعد وقت قصير. عريشة واحدة من أجل الاحتفال بشهادتين مختلفتين، في الأولى كان يشعر محمد أن ساعات الدوام المدرسي تمر ببطء فيستعجل انتهاء مدرسته ليكون في عون والده، أما الثانية فقد كانت سريعة وغير متوقعه ليكسر بها ظهر أسرتها كلها غصباً.

صمت المآذن

بتاريخ 14  تموز 2017، أحد أيام الجمعة، وقفت مآذن المسجد الأقصى صامتة ليومين اثنين. ساحاته خالية من المصلين، وأبوابه موصده بقرار من حكومة الاحتلال. هذا القرار كان الأول منذ احتلال القدس إذ لم يغلق المسجد ولم يمنع آذانه منذ خمسين عاماً من الاحتلال. جاء ذلك ضمن عقوبات جماعية متتالية لأهالي القدس وأهالي البلدة القديمة بالتحديد بعد عملية قام بها ثلاثة شبان من أم الفحم شمال فلسطين التاريخية أدت لمقتل 3 من أفراد شرطة الاحتلال.

بعدها، أنشأت قوات الاحتلال بوابات إلكترونية فرضت على أبواب المسجد الأقصى لتفتيش المصلين. رفض المقدسيون تحويل مكان عبادتهم لحواجز عسكرية تخول الاحتلال سيطرة كاملة على المكان. فأقاموا صلواتهم على المساحات الإسفلتية قرب الأبواب ونقاط التفتيش وعمت المظاهرات بعد كل صلاة من الصلوات الخمس، كان أشدها أيام الجمعة.

وبتاريخ 21 من نفس الشهر والعام، كانت دعوات الشبان والأهالي الذين توحدوا تحت راية القدس تزداد لهبة جماهيرية تجبر الاحتلال بالعودة عن قراره. حينها، وصل الاف المصلين إلى الحواجز التي أقامها الاحتلال مانعاً إياهم من الوصول للمسجد الأقصى وأبواب البلدة القديمة للقدس، من ضمنهم محمد ووالده.

شهيداً برصاص “مستوطن”

في ذاك اليوم، تناول محمد فطوره مع أسرته بعد أن ابتاع لوالدته ما يلزمها للطهي. أخذ من صحن والدته بيضة ليأكلها مازحاً معتاداً على مشاركتها ما تحب، تعاتبه بهدوء وتبتسم ثم يترجل هو ليذهب للصلاة. تقول والدته: “قلي بدي أطلب منك طلب. قلي رتبيلي غرفتي واواعي. قلتله ماما إنتا كتير فوضجي وأكتر غرفة برتبها هي غرفتك. قلي هاي المرة غير هاي المرة بس رتبيها. وعد هادي اخر مرة بترتبي غرفتي.”

في رأس العامود، على الطريق للمسجد الأقصى المبارك، أقام جنود الاحتلال حاجزاً جديداً. وقف الجنود  مدججين بالأسلحة، أقيمت الصلاة على الأسفلت ليهجم الجنود بالقنابل والرصاص على المصلين قبل انتهاء صلاة السنة لصلاة الجمعة. كان محمد مشاركاً في الصلاة، أصيب أحد الشبان أمامه فهم لمساعدته حاملاً إياه إلى مكان آمن وعاد إلى ساحة المواجهات ليرتقي شهيداً على الفور. محمد،  لم يستشهد برصاص جنود الاحتلال، ولم يصاب بقنابلهم رغم كثرتها وشراستهم، ولكنه أصيب بسلاح مستوطن كان يحمل بندقية قنص ويلازم الجنود مستهدفاً الشبان الفلسطينيين.

حمل الشبان محمد على الفور لتشييعه في وقت حاصر جنود الاحتلال مستشفى المقاصد ببلدة الطور المجاورة للقدس لمصادرة جثمانه اعتقاداً منهم بوجوده هناك، لكن الشبان كانوا قد أخذوه من أحد المراكز الصحية وتنقّلوا به من منزل إلى آخر تحضيراً لتشييعه قبل سرقة الاحتلال لجثمانه. تقول والدته: “لو كان عرس ما كان رح يطلعوا كل هالناس بجنازتة، ولا يطقعوا  كل هالطقيع، ولا يهتفوا كل هالهتاف الحمد لله رب العالمين الحمد لله رب العالمين هاي ضريبة اننا مسلمين وبأرض رباط.”

محمد كان أول شهيد بين ثلاثة شهداء آخرين في هذا اليوم. كان اسم ثلاثتهم “محمد”، استشهد الإثنان برصاص الاحتلال فيما استشهد هو برصاص مستوطن عاد ليمشي بفخر قرب الحي، شاهراً سلاحه واثقاً بوقاحه دون أن يحاسب أو يسأل ليترك ألف علامة تعجب في وجه كل من ادعى أن كيان الاحتلال هو دولة ديمقراطية عادلة.

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

59 Views