الشهيد محمد أبو غنام | مطاردة ما بعد الاستشهاد

أسيل عيد

30 آب 2017Image result for ‫محمد ابو غنام‬‎

تلك الأيدي لأصدقائه المقربين والتي طالما التقطت له صوراً في شتى المحافل السعيدة، كانت نفسها التي علقت صوره بوجع على جدران الحي في جبل الطور شرقي القدس بعد أن أصبح شهيداً في سبيل الوطن. محمد حسن أبو غنام (22 عاماً) هو أحد الشبان الذين اقتحمت قوات الاحتلال أحياءهم بعد استشهادهم بيوم أو اثنين لإزالة صورهم عن جدران المنازل بحجة منع تمجيد “الإرهابيين.” حينها صرخ عمه في وجه الجنود بجبروت: “في صورة لمحمد لو تيجي كل حكومة “اسرائيل” مستحيل تقدروا تقيموها .. هاي الصورة هي يلي جوا قلوبنا.”

أول فرحة العيلة

“كانت أحلى فرحة بحياتي لما أجاني محمد”، قالت والدته لقدسكم، وأكملت: ” كان شب شو بدي أحكيلك! كل شي حلو كان بمحمد. الكبير والصغير كان صاحب محمد. ابن ال14 سنه صاحبه وابن 40 سنه صاحبه. كان يقلي شفتي كيف ابنك الكل بحبه.”

عاش محمد في حي الطور، وأكمل دراسته في تخصص الحاسوب في جامعة بيرزيت. عُرِفَ بطيبته ومرحه وتعلقه بوالدته. فما أن يعود للمنزل حتى يتقصد استفزازها ثم يعود ويقبلها ويراضيها. كان كاتم سرها، حتى حين نجح في الثانوية العام حزن لمعدله الذي لم يكن كما تمنى. قال لها معاتباً نفسه بصوت عال مرتجف: ” أنا خذلتك .. ما حققتلك يلي نفسك فيه.” وكان هو نفسه من رفع رأسها عالياً في الجامعة في تخصصه وسيرته وخلقه.

الصلاة على الإسفلت

والدة الشهيد محمد أبو غانم وشقيقه الوحيد

محمد، كغيره من شبان القدس، لطالما تركت خطوط الإسفلت على جبينه علامات السجود في أيام الجمعة بعد أن تقرر سلطات الاحتلال منع من هم دون عمره من الصلاة في المسجد الأقصى المبارك، فيصلون على الإسفلت. كان الشبان يحتشدون قرب الحواجز ويقيمون الصلاة في الشارع، قرب أقرب بقعة للمسجد، ثم ينصرفون عائدين لبيوتهم أو تندلع المواجهات بينهم وبين جنود الاحتلال المدججين بالأسلحة. فيستشهد أحدهم ويجرح العديد، يشيعونه ويعودون مجدداً للميدان، إذ كانت “القدس” الكلمة الوحيدة القادرة على تجميع كافة الأحزاب، التوجهات، والأديان تحت راية واحدة. فما إن يحين نداء الأقصى حتى يهب الشبان من كل حدب وصوب.

وبتاريخ 18 تموز 2017، بعد ازدياد التوترات بين الاحتلال والفلسطينيين في هبة الأقصى الجماهيرية، قام ثلاثة شبان فلسطينيين بعملية إطلاق نار وطعن أدت لمقتل ثلاثة من شرطة الاحتلال فردت سلطات الاحتلال بوضع بوابات الكترونية على أبواب المسجد الأقصى المبارك لتفتيش كافة المصلين. بعد احتجاج المواطنين ورفض الدخول للمسجد إلا بعودة الأوضاع على ما كانت عليه، قامت سلطات الاحتلال بتركيب كاميرات ذكية بدل البوابات الإلكترونية إلا أن الفلسطينيين رفضوا ذلك أيضاً، واستمرت المواجهات حتى امتدت لبعض المدن الفلسطينية الأخرى ضمن دعوات لجمعة غضب صلى فيها كافة الفلسطينيين صلاة الجمعة على الإسفلت قرب الحواجز وأقرب نقاط للمسجد الأقصى المبارك.

جمعة الغصب

وفي جمعة الغضب، استيقظ محمد للذهاب إلى صلاة الجمعة. محمد، الذي اعتاد أن ينام عند جدته في بيتها بعد وفاة جده للإعتناء بها، كان يشجع والدته على الصلاة مع كافة المرابطات على أبواب المسجد. يحادثها ليطمئن عليها أكثر مما تحادثه هي. مازحته يوماً بأنها رابطت مدة أطول، فأجاب قبل ليلة من استشهاده: “بكرا رح أرفع راسك بكل القدس وبتشوفي.”

يداً بيد، كان الآلاف من العائلات المقدسية، نساء ورجالاً وأطفالاً يصلون يومياً قرب أبواب القدس والأقصى الحواجز العسكرية التي تمنع المصلين من الوصول إلى المسجد. في ذاك اليوم، بعد صلاة الجمعة انطلقت مواجهات عنيفة بين الاحتلال والمصلين، امتدت إلى كافة قرى القدس المجاورة، قنابل ورصاص حي في وجه حجارة الشبان وبعض الزجاجات الحارقة التي تسمى “مولوتف.”

سرقة الجثمان

بعد لحظات، انتشرت اشاعة تحكي عن وجود شهيد من رأس العامود في مستشفى المقاصد، ذاك الشهيد هو محمد شرف، والذي نجح الشبان في تهريب جثمانه من ساحة المواجهات إلى أحد المراكز الطبية ثم إلى نقله لثلاثة منازل أخرى ولم يكن في المقاصد كما أشيع الخبر. هب الشبان ومنهم محمد أبو غنام لإلهاء الجنود عن الوصول للمستشفى وسرقة جثمان الشهيد. أثناء المواجهات، باغتت أربعة رصاصات من أحد جنود الاحتلال جسد محمد ليسقط أرضاً دون حراك.

ومن نافذة أحد البيوت التقطت العدسات صور آخر لحظات وداعه للحياة، بأصبعه الذي يتشهد به لوجه الخالق بأن لا اله إلا هو. حينها، كانت والدته عائدة للمنزل، على بعد بضعة أمتار من نفس المكان. سارعت بالاتصال بشقيقتها حين قدرت مكان طلقات الرصاص، فردت الأخرى بصوت مرتجف عالٍ: “في شهيد في شهيد.”

كانت الأصوات تخترق أذن والدة محمد في محاولة لتمييز الحدث. صرخ أحد الشبان بصوت واضح خرق قلبها وأذنيها سوياً: “محمد حسن استشهد.” تستذكر والدته: ” لما كنت أشوف إم شهيد على التلفزيون تبكي كنت أبكي. يقلي على شو مستعجلة جاييكي الدور.”

وعن نفس الموقف، قالت جدته: “بس سمعتهم بصرخوا، نزلت بأواعي الدار بدون منديل أصرخ هاد الشهيد مننا .. هاد الشهي إلي.”

والدة الشهيد محمد أبو غنام تحتضن ثيابه المخضبة بالدماء

سارعت أفواج الشبان لإسعاف محمد إلى مستشفى المقاصد. بعد دقائق، قام الجنود بالهجوم مجدداً على كل الأقسام بما فيها قسم الولادة. بحثوا عن شهداء وجرحى في كل الغرف لكن الشبان نجحوا مرة أخرى في تهريب جثمان الشهيد الثاني. قال مدير المستشفى رفيق الحسيني عن الهجوم أنه الأبشع منذ الانتفاضة الثانية.

ومن المستشفى، للأحراش المجاورة، لأسوار مقبرة الطور، كانت جنازة سريعة مهيبة لم تستطع والدته التي ركضت لرؤيته في كل الأماكن أن تلحق بها. لم تره. كل شيء كان حاضراً وجاهزاً إلا وداع والدته. قالت: “ما كان في مجال كانت الشباب تهرب فيه. لليوم حازة بنفسي اني ما القيت عليه اخر نظرة، كان نفسي احس جسمة، أودعه.”

محمد كان ثاني شهداء ذاك اليوم. استشهد قبله محمد شرف، وبعده محمد لافي. ثلاثة شهداء حملوا نفس الاسم وكانوا كما وصفهم أهالي القدس “مفتاح المسجد الأقصى.” إذ شهدت القدس في السابع والعشرين من نفس الشهر والعام نصر الأهالي على قرار الاحتلال برفع إجراءات التفتيش على أبواب المسجد، ليدخل الآلاف بالتكبيرات والتهليلات في يوم لن ينساه أهل القدس أبداً.

اخر ما كتبه الشهيد محمد أبو غنام لوالدته عبر صفحته على موقع التواصل الإجتماعي فيسبوك

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

63 Views