هل ستعود جثامين الثوار من مقابر الأرقام 

9 تشرين الأول 2017
أسيل عيد

الصورة من رام الله من عملية الإفراج عن بعض الجثامين المحتجزة في مقابر الأرقام عام 2012. المصدر: موقع الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء المحتجزة والكشف عن مصير المفقودين

 

لم يكن جهاد كما سمي في سجلات المواليد أو “عمر أبو ليلة” كما أسماه الثوار كاسم حركي، رقماً قط! لم يولد في مخيمات اللاجئين، ولم يلعب في زقاقها الضيقة في سنواته الست الأولى. كانت قريته الصغيرة “يازور” قرب عروس البحر يافا أكبر مصادر الراحة والحب وأكثر الأماكن اختزالاً لمعنى الوطن. فبقي ذاك اليوم الذي طرده الاحتلال منها مع كافة سكانها إبان النكبة مخزناً يغذي وقود إصراره للنضال، والذي دام أعواماً وتجمد فجأة لحظة سقوط جسده أرضاً بتلك الرصاصات ليدفن أخيراً في “مقابر الأرقام.”

تلك الأرقام حلت مكان الشواهد عمداً في مقابر أسماها المحتلون بـ”مقابر الأرقام.” يدفن فيها من يرى الاحتلال أن تسليم جثمانه لأهله ممنوعاً “لدواعي أمنية” أو كعقوبات جماعية. تلك الجثامين تجاوز عددها حسب توثيق حملة استعادة الجثامين المائتي جثمان.

وفي أحد تلك المقابر السرية، دفن جهاد أبو بكر أحد سكان مخيم قلنديا، البوابة الشمالية للعاصمة المحتلة، بعد أن اخترقت رصاصات الاحتلال جسده ليرتقي شهيداً في نكسة الشعب الفلسطيني في العام 1967.

دامت مطاردة ذاك القائد أعواما طويلة قبل أن يعتقله الاحتلال أولاً ويغتاله لاحقاً عندما نجح في ضرب أحد الجنود والترجل من السيارة العسكرية في محاولة للفرار فكانت رصاصاتهم أسرع منه ليرتقي شهيداً من شهداء الثورة الفلسطينية بعد سقوط جسده أرضاً ولم يعد لا حياً يرزق ولا جثماناً يوارى الثرى.

المزيد من الجثامين

بعد ما يقارب 50 عاماً من ذاك اليوم. وأعوام غير معروفة من قرار احتجاز جثامين الثوار ودفنهم أو إيقاف دفنهم في تلك المقابر دون السماح لعائلاتهم بزيارة قبورهم أو معرفة أماكنها، يعود الملف للواجهة مجدداً بعد طلب وزير الأمن الداخلي غلعاد إردان بتحويل جثماني شهيدين مقدسيين وهما فادي القنبر (المحتجز جثمانة منذ 10 شهور) ومصباح أبو صبيح (المحتجز جثمانه منذ عام) إلى مقابر الأرقام.

وفي الثلاث عشر من أيلول للعام الجاري، أصدرت نيابة الاحتلال أمراً يقضي بعدم دفني الشهيدين فادي القنبر ومصباح أبو صبيح بمقابر الأرقام إلى حين اتخاذ قرار بشأن الإلتماسات المرفوعة، ليبقى احتمال تحويل الجثامين إلى مقابر الأرقام موجوداً خاصة بعد أن شددت نيابة الاحتلال بداية العام 2017 على موقفها بعدم تسليم جثامين بعض الشهداء بحجة امكانية استخدامهم كورقة ضغط وتفاوض مع الحركة الإسلامية حماس في غزة مقابل الجنود المحتجزين لدى المقاومة في قطاع غزة والذين لا يعرفون مصيرهم إن كانوا جثثاً أم أسرى.

وفي هذا السياق، أكد المحامون في الحملة الوطنية لاستعادة الجثامين، والتي أطلقها مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان عام 2008، استمرارهم في هذه القضية حتى استعادة كافة الجثامين سواء الجثامين المحتجزة في الثلاجات أم تلك التي احتجزت في مقابر الأرقام.

أكثر من جثمان في نفس القبر

“ممكن للأسف الشديد يرجعوا أشلاء شخص مع أشلاء شخص تاني.”

يقول المحامي محمد أبو سنينة، وهو أحد المحاميين في مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الانسان الذين يتابعون قضية استرداد جثامين الشهداء المحتجزة في مقابر الأرقام: “لا يوجد توثيق لهؤلاء الجثامين، هناك تخوف. ممكن للأسف الشديد يرجع ذراع شخص مع قدم شخص تاني.”

وعن نجاح الحملة قال: ” نجح زميلنا هيثم الخطيب في استرجاع جثمان الشهيد شاهر العاروري من مقبرة الأرقام قبل عدة أعوام، ثم نجحت السلطة في استرجاع ما يقارب 90 جثماناً، ونجحنا بعدها باسترداد عدد قليل لشهداء آخرين من ضمنهم الشهيد عبد الحافظ أبو زنط.” وأضاف: “بعد ذلك، قمنا بتقديم التماساً باسماء ما يقارب 152 جثماناً رغم أن الاحتلال لا يعترف إلا ب 136 جثماناً تقريباً.”

وأضاف: ” قمنا بتقديم التماس لعمل بنك DNA لتوثيق ومعرفة الشهداء في تلك القبور قبل أن ينفذ الوقت ويصبح صعباً معرفتها.” وأكد الخطيب على أهمية تبليغ الحملة عن الجثامين المحتجزة في مقابر الأرقام من قبل الأهالي للمساعدة في استردادها.

انتهاك للقانون الدولي 

وقالت منسقة الحملة الوطنية لاستعادة جثامين الشهداء سلوى حماد، إن الاحتلال كان يدفن جثامين الشهداء في مقابر الأرقام دون العودة لأهلهم أو إبداء أي معلومات حول مكان دفنهم.

وتضيف أن عدد مقابر الأرقام غير معروف، أما أماكنها فقد كشفت مصادر صحفية عبرية وأجنبية عن 4 منها. وهي مقبرة الأرقام المجاورة لجسر ” بنات يعقوب ” و تقع في منطقة عسكرية عند ملتقى الحدود الإسرائيلية السورية اللبنانية.  مقبرة الأرقام الواقعة في المنطقة العسكرية المغلقة بين مدينة أريحا وجسر داميه في غور الأردن، ومقبرة ” ريفيديم ” وتقع في غور الأردن. أما الأخيرة فهي مقبرة ” شحيطة ” وتقع في قرية وادي الحمام شمال مدينة طبريا الواقعة بين جبل أربيل وبحيرة طبريا.

ومن الجدير بالذكر، أن النيابة العامة للاحتلال قد اعترفت بأن عدداً من جثامين الشهداء المدفونة في ما تسمى “مقابر الأرقام” قد اختفت ولم يعد لها أثر! ما يزيد الأمر صعوبة ويزيد تخوف الأهالي بعدم استرداد جثامين شهدائهم أبداً.

ورغم أن المادة 17 من اتفاقية جنيف الأولى تلزم الدول المتعاقدة باحترام جثامين ضحايا الحرب من الإقليم المحتل وتمكين ذويهم من دفنهم وفقاً لتقاليدهم الدينية والوطنية إلا أن سلطات الاحتلال تضرب بعرض الحائط تلك الإلتزامات في ظل مطالبة ساستها بفتح المقابر ودفن جثامين جدد بدلاً من إعادة الجثامين المحتجزة لذويها.

 

فريق عمل قدسكم

فريق عمل قدسكم

نحن شباب مقدسيون متطوعون في "قدسكم" بالتزامن مع دراستنا للصّحافة والإعلام في الجامعات، نتدرب على مهارات العمل الإعلامي سعياً لإنتاج مواد (مكتوبة، مرئية، سمعيّة) وبشكل متوازي مع حرصنا على نقل صورة القدس وفق رؤية شبابيّة، نسلط الضّوء على مواضيع تهمّ الشباب المقدسي، ونراهن على الاستفادة من التجربة واكتساب مهارات وأدوات العمل الإعلامي والانكشاف على السّاحة الإعلامية، وبناء شبكة علاقات تخدم مستقبلنا المهني.

مقالات ذات صلة

103 Views